الترقي داخل الإدارة: ليس سراً كما يُشاع!
يسود اعتقاد راسخ في أوساط العاملين بأن الترقّي في السلم الإداري، والوصول إلى مراكز القرار أو القرب منها، مسألة تحكمها دائمًا علاقات شخصية خفية أو ظروف خارجة عن سيطرة الموظف. ورغم أن هذا الاعتقاد ليس خاليًا من الصحة تمامًا، نظرًا لتعقيد الواقع الإداري وتداخل عوامل متعددة فيه (تنظيمية، وثقافية، ومؤسساتية، وبشرية)، فإن التجربة المهنية داخل الإدارة تكشف أن المسار الإداري لا يخضع بشكل ممنهج فقط لقواعد خفية، بل يتشكل أيضًا في تفاعل مستمر بين منطق الكفاءة ومنطق العلاقات وتوازنات القوة داخل المنظمة. ومن ثم، فإن اختزال الترقّي في عامل واحد، سواء كان العلاقات أو الكفاءة، يبقى تبسيطًا لواقع أكثر تركيبًا.
صحيح أن الإدارة، في جوهرها، ليست مجرد منظومة تطبق القوانين والإجراءات، بل هي منظمة اجتماعية تعمل داخلها شبكات من العلاقات الشخصية والمهنية، وتتوزع فيها المسؤوليات والمهام والسلطة وفق أهداف قد لا تراعي دائمًا المصلحة العامة، كما تتداخل فيها استراتيجيات الفاعلين ومواقع النفوذ. ومع ذلك، فإنه توجد دائمًا مساحة يمكن للموظف أن يعمل داخلها لبناء مشروع طموح لتطوير مساره المهني وتوسيع مجال مسؤولياته الإدارية، غير أن فعالية هذا المشروع لا تتحدد فقط بمدى امتلاك الكفاءة، بل كذلك بمدى القدرة على توظيفها داخل هذه التوازنات التنظيمية المعقدة وفهم منطق اشتغالها.
هذا الطرح، المسنود بالنظريات الحديثة لعلم التدبير وعلم اجتماع المنظمات، تبرزه مجموعة من التجارب. فهناك عديد الحلات التي نجح فيها موظفون انطلاقا من أسفل الهرم للوصول إلى مناصب تقريرية عليا بناء على مجهود شخصي لتطوير مؤهلات وظيفية ملائمة للأهداف الإدارية والسياسية لمرفقهم الإداري.
غير أن هذه النجاحات لا يمكن تعميمها باعتبارها قاعدة مطلقة، بل يجب فهمها في سياقها، حيث تتفاعل الكفاءة مع شروط الاعتراف المؤسسي، الذي يظل بدوره مرتبطًا بمواقع القرار ومن يملك سلطة التقييم داخل التنظيم. فالمؤهلات الشخصية المهنية المواتية لطبيعة مرفق إداري معين، تسمح للموظف، في حدود معينة، بالتميز في وسطه المهني، وتمكنه من فرض نفسه كفاعل أساسي فيه، لكن هذا التموقع لا يتحقق بشكل آلي، بل يمر عبر ميكانيزمات معقدة للحصول على التقدير والقبول وإعادة التموضع داخل الشبكات المهنية.
وبالتالي، فإن تحقيق غايات الترقي المهني والشخصي والاجتماعي لا يرتبط فقط بتراكم الكفاءة، بل بقدرة الموظف على تحويل هذه الكفاءة إلى فاعلية داخل التنظيم، أي إلى قدرة على التأثير في محيطه المهني والتفاعل الذكي مع معطياته، وهو ما يجعل من الترقّي نتيجة محتملة، لا حتمية، لمسار مهني معين.
فما هي هذه المؤهلات التي تمكن من خلق فرص في المسار المهني؟ وكيف يمكن اكتسابها وتطويرها؟
تُحدَّد هذه المؤهلات غالبًا في ثلاثة أصناف مترابطة:
المؤهلات المعرفية: مجموع المعارف المستقاة من العلوم الإنسانية والقانونية والتنظيمية ذات العلاقة بطبيعة عمل الموظف، والتي تمكنه من بناء فهم نظري لما هو مطلوب منه، وفهم طبيعة المؤسسة التي يعمل بها وسياق اشتغالها وموقعها داخل الدولة ودورها في المجتمع، بما يسمح له بإدراك أبعاد الفعل الإداري خارج حدوده التقنية الضيقة.
المهارات المهنية: مجموع العمليات الذهنية والتقنيات العملية التي تُمكّن من تحويل المعرفة إلى فعل، وتشمل القدرة على تنظيم العمل، وتحليل المعطيات، واتخاذ القرار، والتتبع والتقييم، وتقديم النتائج. غير أن هذه المهارات لا تكتسب قيمتها إلا بقدر قدرتها على التكيف مع الواقع العملي، الذي لا يكون دائمًا مطابقًا للنماذج النظرية.
القدرات الشخصية: مجموع القيم والسلوكيات التي تؤطر علاقة الموظف بمحيطه المهني، وتشمل تمثلاته لعمله، وقدرته على التواصل، والعمل ضمن فريق، وتدبير الأزمات، وتحمل الضغط، والتأقلم مع التغيير. وتمثل القدرات الشخصية البعد الأكثر حساسية في المسار الوظيفي، لأنها ترتبط بكيفية إدراك الموظف لموقعه داخل التنظيم، وبقدرته على بناء علاقات مهنية متوازنة دون الوقوع في التبعية أو العزلة.
لا تشتغل هذه الأبعاد الثلاثة للمؤهلات المهنية بمعزل عن بعضها، بل تتفاعل باستمرار لتُنتج ما يمكن اعتباره كفاءة مهنية متكاملة، تشكل أساساً ضرورياً لأي مسار مهني.
غير أن الكفاءة، بحكم ارتباطها بسياقات مؤسساتية متباينة، لا تُفضي آلياً إلى الترقّي الإداري، إذ يظل تفعيلها رهيناً بوسيط حاسم يتمثل في الاعتراف المؤسسي. ويتخذ هذا الاعتراف مستويين متكاملين: مستوى رسمي تؤطره قواعد التقييم والترقي المعلنة، ومستوى تفاعلي يتشكل عبر علاقات العمل اليومية ويعكس توازنات السلطة وآليات التأثير داخل الإدارة. وفي تفاعل هذين المستويين تتحدد فعالية الكفاءة وحدود تحولها إلى موقع إداري.
وعليه، فإن ما نقدمه هنا لا يروم تقديم وصفة جاهزة للترقي، بقدر ما يسعى إلى عرض تجارب مهنية فعلية في صيغة حكي تحليلي، لفهم الكيفية التي يمكن بها للموظف أن يطور كفاءته داخل الإدارة، وأن يحولها تدريجياً إلى قدرة على الفعل داخل المؤسسة، مع استحضار حدود هذا التحول وإكراهاته.
بهذا المعنى، فإن السؤال الذي تحاول هذه السلسلة معالجته لا يتعلق فقط بكيف يمكن للموظف أن يترقى داخل الإدارة، بل بسؤال أعمق: كيف تتشكل القدرة على الفعل داخل التنظيم الإداري، وكيف يمكن للكفاءة أن تتحول، في شروط معينة، إلى مسار مهني متميز يجمع بين تحقيق الطموح الشخصي وخدمة أهداف الإدارة، دون افتراض تطابق آلي بينهما. انطلاقًا من هذا المنظور، سيتم تقديم قصة الولوج للسلك العالي بالمدرسة الوطنية للإدارة العمومية، بوصفها كانت محطة أساسية في تطوير المؤهلات المعرفية المرتبطة بالعمل الإداري، وكيف مكنت هذه التجربة، عبر مراحل متدرجة، من الاندماج في المنظومة الإدارية وبناء مسار مهني شخصي.
غير أن هذا المسار لا يُفهم فقط من خلال نتائجه، بل من خلال تفاعله مع الحاجات والدوافع التي تحكم سلوك الفرد داخل العمل، حيث لم يقتصر على تحقيق الحاجات الفيزيولوجية المرتبطة بالأجر، بل امتد إلى البحث عن الأمان الوظيفي، والانتماء، والتقدير، وصولًا إلى تحقيق الذات داخل العمل كفضاء للإنجاز والمعنى، مع ما يطرحه ذلك من توترات دائمة
انظر نموذج لتطوير المعرفة المهنية كيف يتشكل المسار داخل الإدارة؟ – دفاتر مسار