فلسطين :سفر عبر الذاكرة والموقف

لم يكن هذا السفر مجرد مهمة عمل، بل كان تتويجًا لمسار طويل من التفاعل الوجداني والفكري مع قضية لم تفارقني منذ طفولتي: فلسطين. كنت في الثانية عشرة من عمري، حين هزمت الجيوش العربية في حرب حزيران سنة 1967. لا زلت أذكر تفاصيل تلك الهزيمة كما لو كانت بالأمس: تجمع حول عتبة دارنا مجموعة من أندادي وفتحت صوت الراديو على أعلاه وهو يبث النشرات الحزينة، الأحاديث المتهالكة عن النصر القادم، ثم الانكسار المفاجئ… ذلك الانكسار لم يغادر وجداني قط 

مرت السنوات، وكبرت معي فلسطين. صارت حاضرة في شعاراتي كطالب، وفي مواقفي كإنسان، وفي صمتي كمواطن. لم تكن علاقتي بها شعارًا، بل التزامًا وجدانيًا أخلاقيًا لا يساوم

في العام 2011، جاءتني فرصة غير متوقعة. كنت حينها أشتغل على رأس مديرية تكوين كتاب الضبط بوزارة العدل، وكانت لي علاقات متينة مع شركاء دوليين في إطار برامج التعاون، من ضمنهم منظمة هولندية محترمة تعنى بالشأن القانوني. أحد أطرها، وهو شاب تونسي خلوق لا تزال تربطني به صداقة صادقة حتى اليوم، كان مكلفا ببرنامج تعاون مع مديريتي، وذات يوم اقترح عليّ المشاركة في برنامج تدريب لكتاب القلم بالنيابة العامة الفلسطينية، تحديدًا لتقديم تكوين حول مبادئ أخلاقيات مهنة كتابة الضبط- وهو مجال كنت قد ساهمت في بلورته داخل المغرب بشراكة مع هيئة المحامين الأمريكيين ووداية موظفي العدل

وافقت فورًا. لم أتردد. لكن السؤال الكبير بقي معلقًا: هل فعلا يمكن ان يتحقق هذا الحلم ، وكيف سأدخل إلى أرض فلسطين، وهي لا تزال تحت الاحتلال؟ لم أكن أريد أن يُوسم جواز سفري بخاتم سلطة الاحتلال، ليس من باب الاستعراض، بل وفاء لموقف وجداني عميق.
تم الاتفاق، بعد نقاشات عديدة، على أن يكون الدخول عبر الأردن، من معبر جسر الملك الحسين. وهنا بدأت سلسلة من الإجراءات البيروقراطية المعقدة: تنسيق مع المنظمة الهولندية، موافقة من المعهد الذي كنت أشتغل فيه، ومراسلة رسمية من النائب العام للسلطة الفلسطينية تؤكد دعوتهم لي كخبير. كل ذلك أخذ شهورًا.

قبل السفر، حاولت زوجتي وابنتي بكل ما أوتيتا من حب وقلق أن تثنياني عن الرحيل. الحرب، القصف، الخوف… كلها كانت مبررات مشروعة. لكن داخلي كان قد حسم، لأنني شعرت أن هذه الرحلة ليست فقط مهنية، بل رحلة موقف      

انطلقت من المغرب إلى باريس، ومن هناك إلى عمان. لم يكن السفر عادياً، بل محملاً بأسئلة كثيرة: ماذا سيحدث عند المعبر وبداخل الضفة ومدنها؟ كيف سيتعامل معي الجنود؟ هل سأتمكن من الدخول؟ ماذا لو أعادوني من حيث أتيت؟ كل هذه الأفكار كانت تتناوبني وتؤثث ذهني بقلق مزيج من الحذر والحماس
في عمان التي سبق ان زرتها عدة مرات في إطار عملي، نزلت بفندق لا زلت أذكر هندسته المهيبة، فخم بطريقته الشرق أوسطية، لكن النوم جافاني تلك الليلة. في الصباح، التقيت بالدكتور حسين، وهو فلسطيني لطيف، كلّفته المنظمة الهولندية بمرافقتي طيلة المهمة داخل الضفة الغربية. حضر ومعه جواز المرور المؤشر من طرف السلطة الفلسطينية، وعليه تأشيرة سلطات الاحتلال. لم يكن الأمر سهلاً حتى بعد كل هذه الإجراءات، لكن الرحلة بدأت… وبدأ معها فصل جديد من حياتي يستحق أن يُروى بتفاصيله.     
فلسطين (الجزء 2): العبور… بين الأسلاك والأسئلة – دفاتر مسار

فلسطين (2): العبور… بين الأسلاك والأسئلة


في الصباح الباكر، حضر الدكتور حسين، الشاب الفلسطيني الذي يشتغل لفائدة المنظمة الهولندية، مبتسمًا رغم الحذر الذي يلمع في عينيه. بعد تعارف سريع وجميل، جمعت حاجياتي، وحملت حقيبتي في سيارة الأجرة، وانطلقنا نحو الحدود الأردنية مع الضفة الغربية.  

الطريق لم يكن عادياً. كنت كمن يسير في حلم مشوب بالقلق، كأن كل شيء حولي فقد حجمه الطبيعي. الأشجار، الصخور، وحتى الشاحنات… كلها بدت لي وكأنها تنطق بشيء لا يُقال. كنت أمعن النظر في وجوه العابرين وفي اتجاهات السيارات، أتساءل: من أين جاؤوا؟ إلى أين هم ذاهبون؟ فليس هناك سوى طريق واحد يؤدي إلى فلسطين، أو على الأصح إلى ما تبقى من فلسطين.    

بعد مسافة قصيرة، ظهرت أمامنا شبكة من الأسلاك، وكأنها مقدمة لمشهد غير مرئي. وفجأة وصلنا إلى أول نقطة حدودية. كنت أظنها الحدود النهائية، لكنها لم تكن سوى مركز تابع للسلطات الأردنية. دخلناه، فوجدناه مكتظًا بالناس، أغلبهم فلسطينيون من الشتات، بعضهم يحمل همّ العودة، وبعضهم يحمل عبء الزيارة السريعة أو المرور المؤقت.  

أُخذ مني جواز السفر، وجلسنا ننتظر. بين الفينة والأخرى، كان يُنادى على أسماء، فيركب أصحابها سيارات أجرة أو حافلات صغيرة كتب عليها “VIP”، ثم يغادرون. انتظرنا أكثر من ساعة، ثم ساعتين، دون أن يُنادَى علينا. ومع مرور الوقت، بدأت ألاحظ أن بعض من حضر بعدنا قد عبر ونحن لا زلنا ننتظر القدر…       
سألت الدكتور حسين، فأخبرني أن الإجراءات تتفاوت، وليس هناك منطق واضح يُفسّر التأخيرات. ثم، كأنني نسيت أنني بصدد عبور واحد من أصعب المعابر في العالم، ذهبت إلى أحد الموظفين، قدمت نفسي وصفتي ومهمتي، فأجابني بابتسامة دبلوماسية: “لا تقلق، المسألة إجراءات روتينية فقط…”

انتظرنا ما يفوق الست أو سبع ساعات. أخيرًا، نودي على اسمي، وأُعيد إلي جواز السفر. لكنني فوجئت بمطالبة بدفع مبلغ قدره 200 دولار. بدا لي مبلغًا كبيرًا، فقيل لي إن جزءًا منه مخصص “لرسوم الاحتلال” … تأملت تلك العبارة، وابتلعتها بصمت. 

وكان عليّ أن أتخلى مؤقتًا عن حقيبتي. مثل باقي المسافرين، تُمنع الحقائب لأسباب “أمنية” من أن تُحمل داخل نفس السيارة، بل تُنقل عبر شاحنات أخرى وتخضع لمراقبة صارمة قبل أن تُسلّم عند الوصول إلى نقطة للسلطة الفلسطينية في الجهة الأخرى.      

ركبنا حافلة “VIP”، وجلس الدكتور حسين إلى جانبي، مهمومًا وقد تغيرت سحنته. سألته، فأجابني بصوت منخفض:     
 “من المفروض ان أعود من معبر خاص بسكان الضفة بينما أنت يجب ان تمر من المعبر المخصص للأجانب وفلسطيني الشتات، إني أغامر بمرافقتك، الجنود الإسرائيليون قد يمنعوني من الدخول ويرغموني على العودة إلى الأردن… 
ابتلعت جملته، وأحسست بثقل المهمة.   
بدأت الرحلة داخل طريق معزول محاط بالأسلاك الشائكة، إلى أن وصلنا إلى معبر جسر الملك حسين، حيث يقع الحاجز الإسرائيلي الاول. كانت السيارات متوقفة في طابور طويل على جانبي الطريق، والحافلات تنتظر دورها وسط جو من الترقب والحذر. لحظة وقوفي هناك، أدركت عمق ما أعيشه: سأدخل فلسطين، لكن عبر سلطة الاحتلال… وهذا أول احتكاك لي معهم.      
الانتظار طال مجددًا. الدكتور حسين بدا أكثر توترًا، وقد أخبرني أن المعبر يُغلق عادة في حدود الساعة الرابعة أو الرابعة والنصف عصرًا، وبعدها يجب على الجميع العودة والانتظار لليوم التالي، إن لم يُغلق قبل ذلك لأسباب أمنية، أو ما يسميه الفلسطينيون: “الأزمة”.

كانت ساعات ثقيلة، مشحونة بأحاسيس مركبة: توتر، إثارة، رهبة، وتوق للعبور. كنت في مرحلة فاصلة، لا أنتمي بعد لمن وراء الحاجز، ولا أدخل بعد إلى ما خلفه. كنت أقف على عتبة فلسطين… لكنني كنت أيضًا في حضرة الاحتلال .

وخلال الانتظار، فهمت من الدكتور حسين، ومن بعض الإشارات المتناثرة هنا وهناك، أن سبب طول المدة التي قضيتها في المركز الحدودي الأردني لم يكن صدفة، بل راجع إلى تعقيد مسطرة التنسيق الأمني بين السلطات الأردنية ونظيرتها الإسرائيلية. كان لزامًا على الطرفين التأكد من هويتي، ومن سبب زيارتي، ومن وجود إذن مسبق من طرف سلطات الاحتلال، قبل السماح لي بالانطلاق نحو الحاجز.    

لم يكن الأمر مجرد عبور، بل كان اختراقًا منظّمًا لطبقات من الرقابة السياسية والأمنية، لمجرد الوصول إلى أرض تحت الاحتلال، في مهمة تدريبية مهنية، إنسانية، سلمية…

تتمة : https://cahiersdeparcours.com/فلسطين-الجزء-3-بين-الحواجز-والوجوه-الم/

زر الذهاب إلى الأعلى