الضمير الفردي ومنطق المؤسسة (4)
مع مرور الزمن، وبفضل تجارب متعددة ومواقف مختلفة، تبيّن أن بعض تلك المساحات الصغيرة يمكن فعلا أن تتسع، وأن المبادرات الفردية ـ إذا دعمتها المعرفة والإصرار والعمل ـ قد تفتح أحياناً أبواباً لم تكن متوقعة.
غير أن فكرة الإصلاح من الداخل، لم تكن بسيطة أو خالية من التحديات. فالمؤسسات الإدارية ليست فضاءات محايدة بالكامل، بل هي عوالم لها قواعدها غير المكتوبة، وإيقاعها الخاص، وضغوطها اليومية التي قد تؤثر في الفرد بقدر ما يحاول هو جاهدا ان يؤثر فيها.
فكثير ممن يدخلون الإدارة وهم يحملون أفكاراً إصلاحية سرعات ما يكتشفون أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير بعض الممارسات أو إدخال طرق جديدة في التدبير، بل يكمن أيضاً في الحفاظ على المسافة النقدية اللازمة تجاه البيئة التي يعملون داخلها.
فالمناخ المؤسسي والاجتماعي قادر، في أغلب الأحيان، على إعادة تشكيل الأفراد تدريجياً، وعلى دفعهم ـ من حيث لا يشعرون ـ إلى التكيف مع ما هو قائم بدل السعي إلى تغييره. وتكمن الخطورة هنا في أن التحول لا يحدث دفعة واحدة، بل يتم عبر خطوات صغيرة من التنازل أو التبرير أو التكيف مع ما يبدو في البداية تفاصيل هامشية.
ومن هنا يصبح ما يواجه ضمير الفرد مزدوجاً: مسار يتعلق بمحاولة الإسهام في تطوير الإدارة وآخر يتعلق بحماية القناعة الأخلاقية والفكرية للفرد داخلها.
ولعل أصعب ما في هذا المسار هو أن النجاح فيه لا يقاس فقط بما يتحقق من إصلاحات، بل أيضاً بالقدرة على تجنب الانزلاق نحو الممارسات التي كان المرء ينتقدها في البداية.
مع مرور الوقت يتبين أن الإصلاح من الداخل ليس مجرد مسألة كفاءة أو أفكار جديدة، بل هو أيضاً اختبار لقدرة الفرد على الصمود داخل بيئة تضغط في اتجاه معاكس لما يؤمن به.
فالإدارة مثل المجتمع، لا تعمل دائماً وفق منطق المثاليات التي يتبناها بعض الأفراد في مساراتهم. بل توجد شبكة معقدة من المصالح والعادات والتوازنات غير المعلنة التي تمارس ضغطاً مستمراً على كل من يحاول أن يسلك طريقاً مختلفاً.
ولهذا فإن من يختار أن يسير، داخل الإدارة أو داخل المجتمع عموماً، في اتجاه مخالف للتيار السائد، يكتشف سريعاً أن الأمر لا يتعلق فقط بجهد مهني أو فكري، بل بثمن اجتماعي محتمل أيضاً: قد يكون في شكل عزلة مهنية، أو بطء في المسار، أو تهميش غير معلن، وأحياناً في شكل مقاومات صامتة لا تظهر في الوثائق الرسمية، ولكنها حاضرة في الواقع اليومي.
ومع ذلك، فإن التجربة تعلمنا أن النجاح لا يقاس دائماً بحجم ما يتم تغييره، بل أحياناً فقط بالقدرة على الحفاظ على حد أدني من المقاومة في الاتجاه الصحيح رغم قوة التيار المعاكس.
فالفرد الذي يتمكن من المحافظة على قدر من الاستقلال في التفكير والسلوك أو يصححه بعد تيه، وأن يواصل العمل في حدود ما تسمح به الظروف دون أن يذوب بالكامل في منطق الجماعة أو المؤسسة، فإن ذلك في حد ذاته يمكن أن يُعد شكلاً من أشكال النجاح النسبي.
نجاح هادئ، لا يُقاس بالخطابات ولا بالشعارات، بل بقدرة الإنسان على أن يظل وفياً لما كان يعتقده صواباً وهو يدخل الطريق لأول مرة. بل وحتى عندما يتمكن من النهوض في حالة السقوط أو الإغفال…
ولعل المعنى الأعمق لهذه التجربة هو أن الإصلاح من الداخل لا يبدأ بتغيير الإدارة وحدها، بل يبدأ أولاً بقدرة الإنسان على أن يحافظ، وسط الضغوط والتيارات المتعارضة، على البوصلة التي توجه اختياراته.