بين الضمير الفردي ومنطق المؤسسة (2)

… ومع ذلك، رغم ما عتراه من تردد داخلي، استيقظ في صباح اليوم التالي. كان يوماً من أيام بداية الصيف، والصيف في تلك المدينة الساحلية له طعمه الخاص، حيث كان يقضي عادة ثلاثة أو أربعة أشهر من أمتع أيام السنة.

لكن ذلك الصباح كان مختلفاً.

خرج من البيت متجهاً إلى مكان العمل، وفي داخله خليط من الفضول والقلق… وأيضاً شيء من خيبة الأمل التي لم يكن قد فهم معناها بعد.

كانت خطواته مترددة ومتمردة؛ يسير نحو دور لم يختره بنفسه، بل وجد نفسه مضطراً إلى تقمصه. لم يكن هذا هو المسار الذي حلم به أو الذي رسمه لطموحاته.

دخل إلى مقر الإدارة. كانت الوجوه جديدة عليه، والنظرات تلاحقه بنوع من الفضول. دخوله لم يمر دون أن يثير انتباه من حوله. تقدم إلى مكتب المسؤول، قدم إلى مكتب المسؤول، وبعد طقوس طويلة ومدروسة لاستقبال القادم الجديد وإهابته نفسياً للدخول في عالم الإدارة وقواعده غير المعلنة، استُقبل بوابل من الأسئلة المتتالية، وكأن الأمر أشبه باستنطاق سريع للتعرف على شخصيته وعائلته وموقعه الاجتماعي، وغيرها من العناصر التي قد تحدد نوع التعامل المستقبلي معه.

بعد ذلك تم توجيهه إلى المصلحة التي سيعمل بها. جلس في مكتبه الجديد، إلى جانب موظفة متقدمة في السن. وبين الفينة والأخرى كان موظفون آخرون يطلون على المكتب لأمر ما، لكن كثيراً منهم كان بدافع الفضول. ورغم ما أبدوه من لطف في البداية، فقد أحس أن كل واحد منهم يحاول أن يقيسه بطريقته.

سيظلون في الأيام الأولى يراقبونه بنوع من الحذر. الابتسامات حاضرة، لكنها ابتسامات رسمية أكثر منها تعبيراً عن ترحيب حقيقي. ومنذ اللحظات الأولى بدأ يكتشف أن عالم الإدارة تحكمه قواعد غير مكتوبة: المناخ الاجتماعي بين الموظفين، الحسابات الدقيقة، وكثير من المجاملة أو ما يشبه النفاق المهني.

الأكثر إثارة في الوضع أنه، بحكم الإجازة الجامعية التي كان يحملها — والتي كانت آنذاك ذات قيمة اجتماعية كبيرة — فقد عُيّن في أعلى درجة إدارية من السلم الجاري به العمل. وجد نفسه الوحيد في مقر عمله الذي يحمل تلك الدرجة التي هي أعلى من درجة رئيسه المباشر، وهو ما أثار تساؤلات في محيط العمل: كيف لشاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين أن يلتحق مباشرة بدرجة يحتاج الآخرون إلى عشرات السنين للارتقاء إليها؟

مضت ساعات اليوم الأول من “الوظيف” ببطء شديد. امتدت من الثامنة والنصف صباحاً إلى الرابعة والنصف بعد الزوال. في لحظة من اللحظات تخيل أن هذا اليوم لن ينتهي أبداً. وبين الحين والآخر كان يخرج خارج المبنى ليدخن سيجارة بسرعة ثم يعود إلى مكتبه.

كانت تلك الساعات الطويلة مناسبة لحوار داخلي قاسٍ مع نفسه. راودته أفكار كثيرة: هل أخطأ حين قبل هذا التعيين؟ هل كان عليه أن يبحث عن طريق آخر؟ تذكر زملاء له اختاروا الاستمرار في الجامعة لسنة إضافية، فإذا ببعضهم اليوم يسلك طريقاً أكاديمياً كان هو نفسه يطمح إليه.

حين اقتربت الساعة الرابعة والنصف شعر وكأنه خرج من معركة نفسية أكثر مما خرج من يوم عمل عادي.

وفي طريق عودته إلى البيت، ورغم أن الجوع قد اشتد عليه، فضّل المرور بالشاطئ الممتد على طول الطريق. هناك كانت الحياة تبدو مختلفة تماماً. رأى شباناً من سنه بملابس البحر يضحكون ويلعبون على الرمال تحت شمس الصيف. وقف لحظة يتأمل المشهد، وكاد شيء في داخله ينكسر.

بين ذلك العالم الحر على الشاطئ، وبين المكتب الذي غادره للتو، أحس بأن مسافة كبيرة تفصل بين عالمين.

كان ذلك اليوم أول تماس حقيقي له مع عالم الإدارة…    
تماس لم يكن يعلم آنذاك أنه سيدوم أكثر من أربعة عقود، وسيحوّل تلك الخطوة المترددة في صباح صيفي إلى مسار طويل من التجربة والتأمل.

العودة إلى تلك اللحظات، وإلى ما تلاها من مواقف وتجارب، تسمح بإضاءة بعض جوانب عالم الإدارة كما يُعاش من الداخل: منطقه، حدوده، وإمكانيات الفعل فيوما سيأتي في هذه الصفحات ليس سوى محاولة لقراءة تلك التجربة بهدوء، بين “الضمير الفردي ومنطق المؤسسة”

السابق: الضمير الفردي ومنطق المؤسسة (1) – دفاتر مسار

بين الضمير الفردي ومنطق المؤسسة (3) – دفاتر مسار

زر الذهاب إلى الأعلى