تأملات في الإنسان والمجتمعمحاورات مع الذات

من ساحة 9 إبريل إلى داخل الذات

اختلاس لحظة في ضيافة الزمن

هذا اليوم، وبينما أنتظر جلسة محددة على الساعة الواحدة، وجدتني أختار الجلوس في مقهى شعبي بسيط، تحيط به من كل جانب علامات الزمن. اخترته عشوائيًا فإذا بالمكان   أحد المعالم التاريخية لمدينة طنجة، ساحة بها ذلك الدرج الذي وقف عليه الملك محمد الخامس يوماً ما ليخاطب الشعب في “تسعة أبريل”. هناك، حيث التاريخ نُقش بالكلمات، الكرامة استعادت صوتها 

 الساحة، رغم ازدحامها اليومي، ما زالت تحتفظ بصدى تلك الكلمات القديمة، لا تُسمِعها للجميع، بل فقط لمن يصغي   

 أمام هذا المشهد، جلست، أراقب الحياة تمرّ في تفاصيلها الصغيرة. الناس تمشي يمنة ويسرة، لا شيء استثنائي في تحركاتهم، ومع ذلك، كل خطوة تحمل حكاية، كل وجه يعكس عمقًا خفيًا. المقهى بسيط، الوجوه مألوفة رغم أنني لا أعرف أحدًا. المكان يذكّرني بشيء عميق في داخلي، بشيء نقي وغير مُتكلف  

 من حولي مبانٍ قديمة، متعبة قليلاً لكنها صامدة، كما لو أنها قررت ألا تغادر ذاكرتنا. في قلب الساحة، لا تزال “سينما الريف” واقفة بطوابقها المتواضعة، شاهدة على أزمنة مضت، على أفلام لم تُعرض منذ سنين، وعلى مشاعر تركها روادها في المقاعد المهترئة    

 هذه المدينة، طنجة، لها روح خاصة. ليست فقط مدينة بحر أو مدينة حدود، إنها مدينة هجينة، مزيج من الريف والجبل، من البساطة والحلم. أغلب الناس هنا قدموا من القرى أو من بعض المدن الصغيرة، جاؤوا بحثًا عن فرص، عن حياة أفضل، وهم لا يزالون يحملون فيهم حرارة الأرض، طيبة القلب، وقسوة الكفاح. لا وقت لديهم للترف، ولا للصخب، لكنهم يملكون من العزيمة ما يكفي ليواجهوا الزمن وجهاً لوجه  
 وفي خضم هذا التأمل، وجدتني أبتسم بهدوء. لم أشعر بأي تذمر بسبب طول الانتظار، كأن الزمن، حين نتوقّف عن مقاومته، يكفّ عن أن يكون خصمًا، ويصير رفيقًا صامتًا. لم أعد أراه وقتًا ضائعًا. بل صار لحظة هدوء أحتاجها. لحظة تذكُّر. لحظة تصالح مع الذات 
 
تذكّرت محمد شكري، ذاك العابر للحدود، ابن هذه المدينة المتعبة والمتمرّدة. كتب “الخبز الحافي” ليس فقط ليحكي قصته، بل ليحكي عن آلاف القصص التي لا تُقال، عن وجوه تمرّ ولا تُرى. كنت أقرأه من قبل لأفهم طنجة، واليوم أراه في كل زقاق، في كل صمت، في كل عينيْ طفل أو عجوز 
 هكذا، صارت هذه الجلسة المؤقتة في مقهى بسيط محطة تأمل، ونافذة على الحياة كما هي: صادقة، صلبة، جميلة في بساطتها  

كأن الحياة، حين تُرى من هذا الارتفاع الصغير دون عجلة، تكشف وجهها الحقيقي

cahiersdeparcours

زر الذهاب إلى الأعلى