كيف يتشكل المسار داخل الإدارة؟
من الحيرة إلى الفهم… ومن الفهم إلى التأثير
امتدادا لما سبق من تأطير نظري لمسار الترقّي داخل الإدارة، خاصة في ما يتعلق بعلاقة المؤهلات المعرفية بالوظيفة، أقدّم هنا تجربة شخصية كنموذج تقريبي لفهم كيف تجسدت هذه القواعد في الواقع، وكيف تشكل المسار المهني فعلياً بين الطموح وحدود التنظيم والفرص التي يتيحها. ( انظر الترقي داخل الإدارة: ليس سراً كما يُشاع! – دفاتر مسار)
ما كشفته التجارب الأولى داخل الإدارة هو أن المسار المهني لا يتحدد فقط بما يحمله الفرد من شواهد علمية أو طموح، ولا بما تعلنه المؤسسة من قواعد مقننة، بل يتشكل في تقاطع معقد بينهما، حيث تتداخل الجوانب الشخصية مع واقع مهني تحكمه توازنات ظاهرة وأخرى غير معلنة، تشمل أنماطاً من العلاقات غير الرسمية، ومنطقاً ضمنياً لتوزيع الأدوار والفرص.
عند الالتحاق بأول مرفق إداري، لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً ليتبين أن التلاؤم بين التكوين الأكاديمي أو المدرسي الذي يحمله أي موظف حديث العهد بالإدارة وبين طبيعة العمل الفعلي المطلوب منه يكون محدوداً إلى حد كبير.
فالتراكم المعرفي خلال المسار الدراسي لا يترجم بشكل مباشر إلى قدرة على التعامل مع الوضعيات المهنية اليومية، حيث يتبيّن سريعاً أن الاندماج والتأقلم يختصران، في كثير من الأحيان، في تقليد الممارسات السائدة أكثر مما يقومان على استثمار رصيد المعرفة الذي يحمله الموظف الجديد.
ما عمّق هذا الإحساس لم يكن فقط عدم تناسب المعرفة مع طبيعة المهام، بل أيضاً الموقع داخل منظومة العمل، والذي بدا متدنياً مقارنة بالطموح والتصورات المسبقة. فقد انحصرت المهمة الأولى في أعمال روتينية قائمة على تنفيذ قرارات صادرة عن أطر قد تكون في نفس المستوى الأكاديمي أو أقل، ضمن تراتبية عملية تُنتج بدورها أشكالاً متفاوتة من العلاقات المهنية، تعزز الإحساس بالفجوة بين التوقع والواقع.
ومع الوقت، لم يعد الأمر يتعلق فقط بعدم انسجام أولي، بل بدأ يتشكل اقتناع تدريجي بأن المسار الذي تم الولوج منه إلى الإدارة يحتاج إلى مراجعة، خاصة وأن الأهداف الأولية، وعلى رأسها تحقيق استقرار معيشي ملائم، لم تتحقق بالشكل المنتظر.
وفي ظل هذا السياق، الموسوم بغياب فهم واضح للقواعد التي تحكم العلاقات داخل الإدارة، لم يكن مستغرباً أن تظهر بعض الأخطاء في التقدير والتصرف.
غير أن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، إذ بدأ مسار مراجعة ذاتية والبحث عن مخرج. فكانت أول محاولة هي العودة إلى استكمال الدراسة الجامعية. إلا أنها، رغم نجاحها من حيث التحصيل والدبلوم، لم تُحدث الأثر المنتظر على مستوى فهم العمل أو تحسين الموقع الإداري أو المادي، وهو ما أكد بشكل عملي أن التقدم الأكاديمي، في حد ذاته، لا يكفي لضمان التقدم المهني.
سيستمر البحث عن التموضع داخل الإدارة عبر حركية متعددة بين مناصب ومرافق مختلفة داخل الوطن بل وخارجه. وإذا كانت هذه الحركية تبدو، في ظاهرها، مجرد انتقال إداري، فإنها كانت، في عمقها، محاولة واعية لإيجاد قدر أكبر من التوازن بين متطلبات العمل وتشكل الذات المهنية.
ومع تراكم هذه التجربة، بدأت تتبلور قناعات أكثر دقة: لم يكن الإشكال في غياب المعرفة، بل في عدم توافقها مع طبيعة العمل. كما أن الترقي داخل الإدارة لم يكن يسير دائماً وفق قواعد واضحة ومستقرة، إذ إن المعايير المعلنة، رغم وجودها، لم تكن كافية لتفسير التفاوت في تدبير الترقي، حيث كان بعض الموظفين يترقون في آجال قصيرة، بينما ينتظر آخرون لسنوات طويلة دون مبرر واضح.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الملاحظة، رغم دلالتها، لا يمكن تعميمها بشكل مطلق، بقدر ما تعكس جانباً من واقع إداري تختلف تمظهراته بحسب السياقات والمؤسسات.
بفعل هذه المعطيات، تبيّن أن المسار الإداري التقليدي، رغم ضرورته، لا يكفي وحده لضمان التقدم، وهو ما قاد إلى إعادة توجيه المسار نحو التكوين العالي المتخصص، عبر الولوج إلى السلك العالي للمدرسة الوطنية للإدارة العمومية، باعتباره مدخلاً يجمع بين التأهيل وإمكانية الترقي.
لم يكن هذا الخيار نفسه خالياً من الصعوبات، فعدد المناصب محدود، والمنافسة شديدة، ومعايير الانتقاء يغلب عليها قدر من الغموض. وقد تعاقبت ثلاث محاولات بين رفض وإخفاق واقتراب من اليأس.
ومع ذلك، لم يتوقف السعي، بل ترسخت قناعة مفادها أن المسار المهني، مثله مثل باقي جوانب الحياة، لا يُحسم من المحاولات الأولى، وأن ما يبدو عائقاً نهائياً قد يكون مجرد مرحلة قابلة للتجاوز. وقد تأكد ذلك مع آخر محاولة لاجتياز مباراة الولوج إلى المدرسة العليا، التي تزامنت مع تغير جذري في إدارتها والمشرفين عليها، جعل نتائجها تُبنى على الاستحقاق.
تحقق الولوج إلى المدرسة، في نهاية المطاف، ورغم كل العقبات، لم يكن وليد صدفة فقط، بل كان لحظة فاصلة أبرزت أهمية القدرة على قراءة السياق وتعديل الاختيارات والاستمرار في الفعل رغم محدودية الشروط.
وقد شكّلت هذه التجربة بداية تحول نوعي في بناء تصور العلاقة بين الفرد ووظيفته والمؤسسة التي يعمل بها، حيث أصبحت المعرفة موجهة لفهم العمل بعد أن كانت منفصلة عنه. وقد أتاح التكوين فعلاً فهماً أعمق لتنظيم الإدارة، وآليات اتخاذ القرار، والعلاقات التراتبية، وصراعات السلطة، مدعوماً بتجارب ميدانية وانفتاح على نماذج مختلفة.
هذه القناعة الجديدة هي التي حددت اختيار موضوع بحث التخرج وتخصيصه لـ”تحديث الإدارة القضائية”، في محاولة لربط المعرفة المتخصصة بواقع القطاع الإداري الذي ستتم العودة إليه. وقد مكّن الاشتغال على هذا الموضوع من بناء مقاربة تحليلية نقدية تستند إلى علم الإدارة وسوسيولوجيا المنظمات والمقارنة الدولية، متجاوزة المقاربة القانونية التقليدية.
والنتيجة أن التحول لم يقتصر على تطوير مضمون المعرفة لأجل الترقي الإداري الصرف، بل شمل أيضاً طبيعة العلاقة مع العمل؛ فما كان يُمارس بشكل تقليدي أصبح قابلاً للفهم، وما كان يُتلقى كأمر مفروض أصبح موضوعاً للتحليل.
ومع هذا التحول، أصبح للطموح المهني دلالة جديدة: فالمؤهلات المعرفية المكتسبة تمنح قدرة أكبر على الفهم والتأثير، ويمكن، إذا أُحسن “تسويقها”، الحصول على الاعتراف بها، وأن تفتح، بشكل تدريجي ولو بعد حين، الأبواب التي كانت موصدة داخل الإدارة.
وفعلاً، فإن الرجوع إلى العمل بعد انتهاء فترة التفرغ للتكوين تزامن مع سياق مؤسساتي جديد، جعل الزاد المعرفي المتخصص ملائماً تماماً مع الاستراتيجية الجديدة لقطاع العدل الهادفة إلى إصلاحه وتغيير طريقة اشتغاله وتدبيره.
وبذلك، لم يكن اختيار موضوع التحديث القضائي عرضياً، بل جاء تجسيداً عملياً لضرورة ملاءمة المعرفة مع متطلبات العمل.
ويُستخلص من ذلك أن تطوير الكفاءة المعرفية، حين يكون منسجماً مع طبيعة العمل، لا يزيل بالضرورة العوائق، لكنه يتيح إمكانية التعامل معها، ويمهّد لاندماج مهني فعلي.
أما ما تحقق لاحقاً من تطور مهني، ولو بعد عقدين، فلم يكن سوى امتداد لهذا التحول الأول، الذي ظل يتعزز باستمرار عبر التفاعل بين المعرفة والممارسة.
السابق :الترقي داخل الإدارة: ليس سراً كما يُشاع! – دفاتر مسار