بين الضمير الفردي ومنطق المؤسسة (1)

على امتداد سنوات الشباب، لم تطأ قدماه مكاتب الإدارة العمومية إلا مرات قليلة جداً. لم يكن يتصور يوماً أنه سيصبح فرداً منها رغم ما اشتد عليه من ضغط أسري.
فقد كان يرى الإدارة جزءاً من السلطة، وكان يعتبر أن السلطة، كما كانت تمارس في تلك المرحلة، تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع ويذوق هو أيضاً مرارتها. لذلك لم يكن الانتماء إليها يوماً من بين طموحاته.

لكن الحياة كثيراً ما تسلك مسارات غير تلك التي يتخيلها الإنسان لنفسه.

فبعد سنوات الدراسة الجامعية، وبعد فترة الخدمة العسكرية الإجبارية، صدر قرار حكومي استثنائي يقضي بتوظيفه، دون مباراة، مع آخرين كانوا في وضعيته، اعترافاً بصفة الضباط التي كانوا يحملونها وبالفترة التي قضوها في صفوف الجيش والمشاركة الفعلية في الدفاع عن الوطن.

وجد نفسه أمام هذا العرض عرضيا، دون أن يكون قد سعى إليه. لم يكن السن، ولا الوضع الشخصي، ولا الظروف العائلية تسمح برفضه بسهولة. كان ضغط الأسرة حاضراً بقوة، فوالداه اللذان تحملا معاً أعباء سنوات الدراسة كانا يريان في هذا التعيين مخرجاً من بعض الصعوبات العائلية، وأملاً في أن يعود ما استثمراه في تعليم ابنهم بالنفع على الأسرة كلها. كان الابن الأكبر، وكان من المنطقي أن يتحمل نصيبه من المسؤولية.

رفض في البداية منطق “جاب الله خبيزة” وحاول التمرد عليها، لكن نظرات والديه، وإلحاحهما الصامت، جعلاه يعيد التفكير. وفي النهاية قبل بالأمر، خاصة وأنه استُجيب لطلب تعيينه في نفس المدينة التي يقيم فيها والداه، عوض الرباط التي اقترحت عليه.

فضّل البقاء قريباً من الأسرة، لأن إمكانياته لا تسمح بالاستقلال أو بتحمل مصاريف العيش في البداية. ثم كان هناك آنذاك ارتباط عاطفي بمن سترافقه طول عمره.

هكذا اتخذ القرار.

وفي مساء اليوم السابق لأول يوم عمل، عاد إلى البيت ليجد والدته قد سبقت الحدث بطريقتها الخاصة: اشترت له بدلة، وحذاءً، وقميصاً، وهي الملابس التي رأت أنها تليق بموظف جديد.

حين رآها، اجتاحته مشاعر متناقضة. تساءل في نفسه:

كيف لي أن أرتدي هذه الملابس؟
كيف أتقمص هذا الدور الذي كنت دائماً أنظر إليه بعين النقد؟
أليس هذا هو العالم الذي كنت أراه جزءاً من التقاليد التي تكرس الوضع القائم الذي كنت أرفضه؟

لكن تحت إلحاح والدته وحرصها، ارتدى الملابس لترى كيف يبدو فيها. كانت الفرحة واضحة في عينيها، وكان في نظراتها شيء من الفخر.

أما هو، فحين نظر إلى نفسه في المرآة رأى شيئاً لم يكن مألوفاً له. لم ير الموظف الذي كانت أمه تتخيله، بل رأى شاباً يحاول أن يتقمص دوراً لم يعتد عليه.

كان قد تعود على الجينز، والقمصان القطنية الفضفاضة، وعلى الشعر الطويل، وعلى أسلوب حياة يميل إلى التمرد الشبابي.

كيف لذلك الشاب أن يتحول فجأة إلى موظف؟

(2) التتمة : الضمير الفردي ومنطق المؤسسة – دفاتر مسار

زر الذهاب إلى الأعلى