الضمير الفردي ومنطق المؤسسة (3)

الإدارة، قبل كل شيء تجربة إنسانية يعيشها الأفراد يومياً: موظفين كانوا أم مواطنين. وهي فضاء تتقاطع فيه مصالح الإفراد والجماعة والسلطة والقانون، وتنعكس فيه صورة المجتمع وتوازناته.

هذا التقديم لا يعني أية نية في تبني درس نظري في علم الإدارة، ولا عرضاً مدرسياً للنماذج التنظيمية المعروفة. فذلك مجال واسع كُتب فيه الكثير، ويمكن الرجوع إليه في مراجع متخصصة. ما يهمنا هنا هو شيء آخر: التأمل في تجربة فردية للإدارة من الداخل، كما ظهرت في تفاصيل العمل اليومي، وفي التوترات بين الفكرة والواقع، وبين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن فعلاً.

الحديث بقلب مفتوح لن يكون سردا كرونولوجيا لمسار مهني، بل عبر محطات تأمل متفرقة ومتباعدة تنطلق من تجارب واقعية، وتحاول أن يستخلص منها أسئلة وأفكاراً قد تهم كل من يفكر في معنى العمل داخل الإدارة العمومية، وفي حدود الإصلاح الممكن من داخلها.

هذه الصفحات إذن هي مجرد محاولة للتفكير بصوت هادئ في بعض ما يتعلم من داخل الإدارة: في النجاحات والإخفاقات من داخلها، في مقاومة محاولاتها استقطاب الفرد وفي قدرة مكوناتها مقاومة محاولات التغيير.

بدأت العلاقة بالإدارة من موقع بعيد عنها، بل ومن موقع نقدي تجاهها. فقد كان الانخراط في الوظيفة العمومية، في نظر العديد من جيل ما بعد الاستقلال خصوصا في الجامعة، مرتبطاً بصورة إدارة تُرى أحياناً كأداة للسلطة المهيمنة أكثر مما تُرى كمرفق لخدمة المجتمع. وكانت التوجهات الفكرية والسياسية التي تشكل وعي ذلك الجيل تدفع إلى النظر إلى الإدارة بعين الشك، بل أحياناً بعين الرفض.

لهذا لم يكن الدخول إلى الوظيفة العمومية خياراً شخصيا مريحا فكرياً. كان في البداية أقرب إلى حل عملي فرضته ظروف الحياة: اعتبارات عائلية واقتصادية، وحاجة إلى الاستقرار المهني. وكان التصور السائد آنذاك أن هذه المرحلة لن تكون إلا محطة عابرة، في انتظار مسار آخر يُظن أنه أكثر تأثيراً في تغيير الواقع.

لكن التجربة لها منطقها الخاص.

فمع مرور الوقت، ومع الاحتكاك اليومي بواقع الإدارة ومشاكلها وتعقيداتها، بدأت فكرة أخرى كنوع من العزاء أو التمويه الذاتي: التغيير لا يحدث دائماً من خارج المؤسسات، بل قد يصبح ممكناً ـ أحياناً ـ من داخلها.

هذه الفكرة لم تأت دفعة واحدة، بل جاءت تدريجياً، عبر مواقف وتجارب واحتكاكات متكررة بحدود النظام الإداري وإمكاناته في آن واحد. وأصبح التحدي الفكري الحقيقي هو كيف يمكن من داخل مؤسسة مثقلة بالتقاليد والتراتبية والاحتراز، الاحتفاظ بقدر من الاستقلال في المبادرة، و والبحث في الوقت نفسه عن مساحات صغيرة للتطوير والتحسين. قناعة دامت لسنوات طويلة على أساس أن الإصلاح من الداخل قد يكون بطيئاً، وقد يكون محدوداً، لكنه ليس مستحيلاً…

السابق: الضمير الفردي ومنطق المؤسسة (2) – دفاتر مسار

التتمة : الضمير الفردي ومنطق المؤسسة (4) – دفاتر مسار

زر الذهاب إلى الأعلى