فلسطين (7): الشوق إلى القدس: محاولة انسلال كادت تنهي الرحلة …     

اليوم ما قبل الأخير من إقامتي في فلسطين. .وقد بدأت أعتاد على رام الله، على روتين التنقل اليومي نحو المدن المجاورة، للقاء المسؤولين، والمدعين العامين، وكتاب القلم. كنت أخرج ومرافقي كل صباح عبر نقاط تفتيش محروسة من قبل الجنود الإسرائيليين، وأعود إلى رام الله كل مساء عبر نفس المعابر، مغلفًا بشعور غريب بين التعود والخضوع.

لكن شيئًا بداخلي لم يكن مطمئنًا. كان هناك وجع اسمه القدس.
عدة مرات وأنا أمرّ فوق تلال الضفة، رأيت القبة الذهبية تتلألأ بعيدًا.

رغبتُ، بل كنت متعطشًا، لرؤية هذه المدينة لا فقط لدلالتها الدينية، ولكن لرمزيتها الحضارية والإنسانية، لكونها مرآة الهوية الفلسطينية والعربية. كنت أتحدث في الأمر مع الدكتور حسين يوميًا، وهو دائمًا يُذكّرني بأن جواز المرور الذي منحتني إياه سلطات الاحتلال لا يُخوّل لي الدخول إلى القدس.

لكنني لم أقتنع. ربما رفضت أن أقتنع.

ذلك المساء، بعد أن غادرني مرافقي، وبينما كانت الشمس تنسحب ببطء من فوق التلال، قررت أن أجرب. ركبت سيارة أجرة، وطلبت من السائق أن يقلّني إلى أقرب نقطة تفتيش تؤدي إلى القدس.

بدا مترددًا، أو كأنه لم يفهم، لكنه قبل.

نزلت عند نقطة تتجمع فيها مجموعة حافلات صغيرة صفراء، كل واحدة تنادي على وجهتها: “الطور”، “رأس العامود”، “بيت حنينا”… أسماء أحياء من القدس الشرقية، حيث يسكن الفلسطينيون الذين يتنقلون بين رام الله والقدس.

رأيت نقطة التفتيش هناك في نهاية ممر إسمنتي، على بُعد مائتي متر أو أكثر. لم أتردد، بدأت أسير بثقة، أحمل وثائق هويتي في يدي، أؤكد لنفسي أنني قادر على إقناع الجنود الإسرائيليين بأنني زائر مغربي، محبّ، سائح، لا أكثر.

لكن، ما إن خطوت خطوات قليلة، حتى سمعت أصواتًا تصرخ:       
“يا زَلَمي! يا زَلَمي!”

التفتُّ، فإذا بشباب يلوّحون لي بأيديهم من داخل الحافلات:  
“ارجع! ارجع! حِطّ عقلك، حِطّ! حتموت!”

توقفت، مذهولًا، فرجعت نحوهم محاولًا أن أفهم.
سألوني:
– من وين إنت؟

أجبت:
– المغرب.

– يا أخي، لا أحد يمر راجلاً هنا! لابد من ركوب الحافلات إلى غاية نقطة التفتيش، كل من يمر راجلاً يُشتبه فيه… يطلقون النار دون إنذار!”

قال أحدهم:  
– اركب الباص… اركب، هو الطريق الوحيد. إذا ركبت، تمر بسلام…

ركبت واقفًا مشدوهًا، عاجزًا عن التفكير…      
انطلقت الحافلة بعد أن امتلأت، دون أن يطلب مني أحد أداء التذكرة.

وصلنا إلى نقطة التفتيش في دقيقة أو دقيقتين. بُنيان إسمنتي ضخم، لا نوافذ له، لا ملامح. فقط حديد وأسلاك وكاميرات. “بونكر” بكل ما تحمله الكلمة من قسوة.

نزل الجميع، سرت وراءهم. مرّوا بسرعة دون أن يلتفتوا، بدون توقف ولا مراقبة ولا تفتيش الجنود يراقبون من خلف زجاج سميك. كنت آخر من يمر واعتبرت أن عليّ أن أخلع حزامي الجلدي، وضعته في الجهاز، ومررت إلى الجهة الأخرى… لكنه لم يخرج.

وقفت أترقب، ثم سمعت صوتًا عبر مكبر الصوت:       
“تعال لهون!”

كان جنديًا من خلف الزجاج، إسرائيليًا من أصول عربية كما بدا من ملامحه ولهجته. اقتربت. سألني:
– أوراگك؟”

أعطيته جواز المرور وجواز السفر. قلبهما من جميع جوانبه، ثم قال بحدة:      
“غير مسموح تدخل عالقدس.”

بدأت أحاول أن أشرح له بالإنجليزية أنني مغربي، في زيارة خاصة، أحترم القانون، فقط أرغب برؤية القدس…

قاطعني بخشونة:     
“ارجع. ما في دخول. ماترجع بسرعة

أعاد لي الوثيقتين، دون نظرة، دون نقاش، دون فرصة.

خرجت مهزومًا، حزينًا، خائفًا.     
نسيت حتى أن أسترجع حزامي من الجهاز.

عدت أدراجي نحو رام الله، أمشي في الفراغ، وظهري مكشوف. تذكّرت تحذير أولئك الشباب:
“لا تمشِ راجلاً بالمعبر… قد يُطلقون النار.”

كانت المسافة قصيرة، لكنها بدت لي طويلة كالعمر كله.

دخلت رام الله، والقدس لا تزال هناك، قريبة، لكن ممنوعة…

لم أعد مباشرة إلى الفندق. لم أُرِد أن أعود بسرعة إلى نفسي.    
كنت أعلم أن العودة السريعة ستجعلني أغرق في دوامة التفكير، في خيبة الدخول الممنوع، في وجع المدينة التي رأيتها من بعيد، دون أن أضع قدمي على ترابها.

عدت مشيًا…

كان الطريق طويلًا… طويلًا جدًا. لكنني أردت أن أمشي حتى أتخفف من نفسي، من خيبتي، من غضبي، من أسئلتي التي لا إجابة لها.

مشيت، كأنني أبحث عن شيء، أو أهرب من شيء، أو أقاوم شيئًا. مشيت باتجاه الذاكرة والواقع معًا.

في كل خطوة، كنت أقف أمام محل، أتمعن في البضائع، في الوجوه، في البيوت… أتأمل فلسطين في تفاصيلها الصغيرة: في الأثاث، في الباعة، في اللوحات، في الشرفات. كنت أبحث عن المعنى فيما تبقى من الحياة، لا في القدس التي أُغلقت دوني، بل في رام الله التي احتضنتني رغم ضيقها.

في طريق العودة، كان الجدار العازل على طول الطريق يخنق الأنفاس ويحدّ من البصر… إحساس بالحصار.       
الحائط الإسمنتي الفاصل، المنيع، يقسم الجغرافيا والهوية والحلم.

على الحائط، صور تتحدى الصمت: وجوه شهداء وأطفال، علم فلسطين، البرغوثي الأسير، شعارات المقاومة، الحمامة وغصن الزيتون والبندقية… وأحيانًا صمتٌ مرسوم باللون الرمادي.

كان المشي مرهقًا، جسديًا ووجدانيًا. لم أتوقف، بل واصلت لأكثر من ساعتين. كنت أجرّ قدميّ، وأُجرجر معي خيبتي، وأحاول أن أُلصق بها بعض العزاء.

عدت إلى الفندق، كنت مُنهكًا. لكنني كنت أهدأ قليلاً.

أقنعت نفسي أن ما حدث هو أقل الأضرار… لا أعلم، لو تقدّمت فقط أمتارًا قليلة إضافية، دون أن ينتبه لي أولئك الشباب، لكانت النتيجة مأساوية، كما تخوّفت زوجتي وابنتي من البداية.

نعم، كنت قريبًا من القدس… وقريبًا أيضًا من الخطر.

لكنني عدت سالمًا.  
وربما هذا وحده كان كافيًا، في زمن يُصبح فيه مجرد المحاولة انتصار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى