فلسطين (6): بين الحواجز والليل… الطريق أداة إخضاع

طيلة أيام تواجدي بالضفة الغربية، كان عليّ أن أتنقل، ومرافقي، يومياً بين إقامتي برام الله وباقي المدن المبرمجة للتدريب، ثم العودة لزوماً للمبيت بها.
الاستيقاظ باكراً كان ضرورياً لنحاول الوصول إلى أماكن التدريب في الوقت. الخروج من رام الله والعودة إليها يمران حتماً عبر نقط مراقبة قد تستغرق عدة ساعات بسبب الازدحام، أو أحياناً دون سبب واضح سوى مزاج الجنود. حتى موكب رئيس السلطة يخضع لنفس إجراءات المراقبة الصارمة.
الطرق بين المدن الفلسطينية، مهما قصرت، لا تكون دائماً سلسة. لا يمكن، مثلاً، للسيارات الفلسطينية أن تتجاوز ناقلة عسكرية ولو كانت تسير ببطء شديد، والمرور عبر الطرق المسموح بها يمكن أن يتغير بين لحظة وأخرى دون سابق إشعار.

لم أكن أتصور، قبل هذه الرحلة، أن يتحول التنقل اليومي إلى تجربة بهذا القدر من الثقل والتعقيد.
مرة، ونحن بالسيارة على أبواب رام الله بعد يوم من التكوين والعمل، كان كل شيء يسير بشكل عادي، إلى أن انقطع هذا الإيقاع فجأة بصوت منبّه غريب، حادّ ومتكرر، لا يشبه أصوات السيارات المدنية.
شحُب وجه الدكتور حسين بشكل واضح. لم يكن الأمر مجرد انزعاج، بل توتر داخلي عميق، كما لو أن هذا الصوت يستدعي وضعاً مألوفاً ومتكرراً. بحثتُ بنظري عن مصدره، فإذا بسيارة عسكرية كبيرة تقف على بعد أمتار قليلة فقط. أوقف حسين السيارة فوراً، لكنه لم ينزل.
سألته عمّا يحدث، فقال بهدوء حذر: ضبطوني أستعمل الهاتف أثناء القيادة، وهم الآن ينتظرون أن أنزل. سألته بعفوية: ولماذا لا تنزل؟ نظر إليّ وكأنه يستغرب السؤال، ثم قال: هم من يجب أن ينزلوا… لماذا أنزل أنا؟
في تلك اللحظة، بدا لي أن الأمر يتجاوز مخالفة سير بسيطة. كان هناك شيء آخر يُحسم في هذا الصمت المتبادل. كل طرف في مكانه، وصوت المنبّه يتكرر بإصرار، مرة بعد أخرى، كأنه وسيلة ضغط غير مباشرة. لم أجرؤ على التدخل، لا خوفاً فقط، بل لأنني لم أكن أفهم قواعد هذا التوتر: متى يكون الصمت حكمة، ومتى يكون ضعفاً.
بعد دقائق، نزل الدكتور حسين متثاقلاً، يكظم غيضه. لم يكن نزوله تعبيراً عن اقتناع، بل استجابة لميزان قوة واضح. عندما عاد إلى السيارة أخبرني أنه اضطر لدفع غرامة تقارب 250 دولاراً، ثم أضاف بنبرة دالة: هذا أيضاً جزء من القصة…
لم يكن يقصد المخالفة في حد ذاتها، بل ما تمثله. فالغرامة، وإن بدت تطبيقاً عادياً للقانون، إلا أنها تدخل ضمن منظومة أوسع، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى أدوات ضغط واستنزاف متكرر، مادي ونفسي في آن واحد.
لكن الطريق في فلسطين لا يختزل فقط في المراقبة أو الغرامات. هناك بعد آخر أكثر عمقاً: الإحساس الدائم بأنك تتحرك داخل فضاء غير آمن.
في أحد الأيام، ونحن في طريق وعر بين رام الله وأريحا، تذكّرت طلب زوجتي قبل السفر: لم تكن تريد هدية تقليدية، بل شيئاً بسيطاً ومحمّلاً بالدلالة: قليل من أرض فلسطين، بعض التراب والحجيرات من أرض لها معنى يتجاوز الجغرافيا.
طلبت من الدكتور حسين أن نتوقف. تردد قليلاً، ثم توقف على مضض، وقال لي بنبرة استعجال واضحة: أسرع… لا تتأخر…

نزلت من السيارة، ومشيت بضعة أمتار داخل حقل قاحل. كان المشهد في ظاهره عادياً: أرض جافة، بعض الحجارة المتناثرة، وصمت مفتوح على الأفق. انحنيت بعفوية أختار بعض القطع الصغيرة. لكن ما إن رفعت رأسي، حتى تغيّر المشهد بالكامل. على مسافة غير بعيدة، ربما في حدود مائتي متر، كان هناك برج مراقبة عليه جنود. لم أره عند نزولي. وجوده المفاجئ أعاد ترتيب كل شيء: المكان، الحركة، وحتى الفعل الذي كنت أقوم به. لم يعد ما أفعله فعلاً بسيطاً بلا تبعات.
لم أعد أنتقي. أخذت ما كان ممكناً بسرعة، وضعت الحجارة والتراب في الكيس، وعدت إلى السيارة بخطوات متسارعة. لم يحدث شيء، مرّ الموقف بسلام، لكن الإحساس لم يكن بسيطاً.
قال لي الدكتور حسين بعد أن تحركنا: حتى التوقف لدقائق قد يُفهم تحدياً أو خطراً…
هنا، اكتسب ذلك الفعل البسيط دلالة أخرى.
أن تحمل معك قليلاً من أرض فلسطين، لا يعود مجرد رغبة رمزية أو عاطفية، بل يصبح فعلاً يتم داخل شروط مقيدة، وتحت احتمال الخطر. الأرض، التي يُفترض أن تكون موضوع انتماء طبيعي، تصبح شيئاً لا يمكن الاقتراب منه بحرية كاملة.
أيضاً، في باقي التنقلات، كان الدكتور حسين يحرص بشكل شبه منهجي على العودة قبل حلول الليل. نكون أحياناً في منتصف زيارة أو نقاش، فيقاطع كل شيء قائلاً: يجب أن نغادر الآن. في البداية، ظننت أن الأمر مرتبط بتنظيم الوقت، لكن مع تكرار الموقف، أدركت أن المسألة أعمق: أن يداهمك ليل الطريق في فلسطين ليس مثل الليل في باقي المعمور.
نهاراً، ورغم كل القيود، تبقى الأمور إلى حد ما قابلة للتوقع. أما في الليل، فإن الطريق يتحول إلى مصيدة، مجال مفتوح لاحتمالات غير محسوبة. وجود المستوطنات المبثوثة على طرق الرجوع يحول المرور العادي إلى خطر التعرض لوابل من حجارة المتطرفين أو حتى لطلقات نارية…
هنا، لا يعود الزمن إطاراً محايداً. الليل لم يعد زمناً للراحة، بل زمناً يجب تفاديه. والطريق ليس مجرد مسافة بين نقطتين؛ إنه مجال تتحقق فيه السلطة، وتُختبر فيه الحدود، وتُعاد فيه صياغة العلاقة بين الإنسان ومحيطه.
الطريق هنا لا يُعاش بالمنطق نفسه الذي اعتدته في أماكن أخرى. أبسط الأفعال في أرض مغصوبة تصبح مشروطة ومحمّلة بمعانٍ تتجاوز ظاهرها بكثير.
تتمة فلسطين (7): الشوق إلى القدس: محاولة انسلال كادت تنهي الرحلة … – دفاتر مسار