فلسطين (6): رام الله… تحت أضواء المستوطنات وظل الجدار

      
جلست مدة أمام النافذة أتأمل رام الله عند الغروب. أثارني أولا العدد الكبير من البراميل البلاستيكية المبثوثة فوق كل الأسطح بدون استثناء، فهمت من اللحظة الأولى أنها مخازن للمياه، وسيخبرني مرافقي فيما بعد أنها ووجدت تحسبا لقرارات الاحتلال التي تتحكم في تزويد المدينة بالمياه وتستعملها وسيلة مقايضة لإذعان الفلسطينيين.

رغم توصية الدكتور حسين بالراحة ورغم الإنهاك البدني والذهني، لم أقاوم الرغبة في اكتشاف أرض كنت متعطشا لها منذ عقود، الرغبة في معانقة المدينة أقوى من الحاجة إلى الراحة، لم احضر هنا لأنام، خرجت من الفندق هائما في شوارع رام الله…

تجولت بين الشوارع، لاحظت الحياة تمشي وكأن لا شيء هناك… محلات، مقاهٍ، موسيقى. الناس هنا يتشبّثون بالحياة وكأنها شكل من أشكال المقاومة.

لو لم أكن أعلم أنني في فلسطين، لظننت أنني في مدينة عربية متوسطية صغيرة، تأبى أن تستسلم لثقل الجغرافيا

لكن الأحاسيس هنا كانت شيئًا كان مختلفًا…

 وأنا أمشي حالما سأجد نفسي  فجأة وجهًا لوجه أمام الجدار الإسمنتي الفاصل بين رام الله والقدس. لم اتوقف في الوهلة الأولى، بل حاولت الاقتراب أكثر وانا أحدق يمينا ويسارا وأرفع نظري إلى اعلاه. شعرت أنني أقف أمام جرح في جسد مدينة.

لكني ما لبثت أن تذكّرت تحذيرات الدكتور حسين: “احذر، هناك بأبراج المراقبة جنود قد يطلقون النار بلا إنذار.” فعدت رغم الخطر بخطوات متثاقلة من حيث أتيت        
فوق التلال المحيطة بالمدينة، كانت أضواء المستوطنات الإسرائيلية تُشع ببرود وقسوة. تحيط برام الله من كل الجهات، وكأنها طوق فولاذي، أو سياج من الضوء يعكس ظلمة الاحتلال.
عدت أدراجي، لكن لم أستطع أن أُنهي الليلة على هذا الإيقاع الثقيل. دخلت إحدى المقاهي، وجلست على كرسي بسيط. طلبت مشروبًا، ونظرت حولي.  
كنت في فلسطين. في رام الله. في أحد مقاهيها. أجلس على أرضها. أتنفس من هوائها. أرى الناس حولي… فلسطينيين.  
كنت في مدينة محاصرة، لكنها حيّة. مقهورة، لكنها تضحك. مهدّدة، لكنها تُحب.
وبينما أحتسي ما في الكأس، فهمت أن هذه الليلة ليست ككل الليالي. إنها ليلة الحضور الحقيقي. لحظة استيعاب صامتة أنني لست سائحا هنا، بل شاهد على الزمن… وعلى الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى