فلسطين ( الجزء 4) : صافرات الإنذار … ومن المغرب جاءت المساعدة

عدت إلى الشباك مجددًا. وأعدت  أراقب وجه الموظفة الإسرائيلية بعناية شديدة، أترقب أي ملامح دهشة أو استغراب حين تطّلع على جوازي المغربي. كنت أعتقد، وربما عن صواب، أن قلة هم المغاربة الذين يمرون  من هذا المعبر إلى فلسطين. 

لن تنظر إلي الموظفة إلا مرة واحدة لتقارن بين وجهي وصورة جواز السفر وجواز المرور الفلسطيني، بعدها استدارت ونادت موظفة شابة وسلمتها الوثيقتين, سأفهم أن هذه الأخيرة التي تبدو في مطلع العشرينات من عمرها،  تقدم خدمات المساعدة  واستقبال من يُدرجون ضمن فئة الضيوف الممتازين . لم أكن أتوهم  أنني واحد من هؤلاء، لكن، على ما يبدو، مجرد دفعي لتعريفة التنقل الخاصة بهذه الفئة أهلني لأُعامل مؤقتًا وكأني من علية القوم!

 أخذتني الشابة إلى غرفة مكيفة، وقدمت لي كوب قهوة وقنينة ماء وطلبت مني الانتظار. بدت الأمور هادئة إلى أن عادت بعد نحو عشر دقائق لتقول بالأنجليزية:      
“هناك مشكلة.”     
قفز قلبي من مكانه. سألتها بتوجس:       
“ما هي؟”    
قالت: “ لا توجد صورتك الشخصية على جوازك للمرور، كان يجب  أن تلصق ويؤشر عليها.”..
شرحت لي أن المكتب الذي مررنا منه سابقًا لم يكن سوى مكتب مراقبة أول، أما الحدود الحقيقية، فهي النقطة التي نحن بصدد الوصول إليها الآن، والتي لن يُسمح لي بتجاوزها من دون وثيقة كاملة. لم أعد أدري ماذا أقول، شعرت بخيبة أمل ودُوار خفيف من التوتر. نظرت إلي بعينين متفحصتين ثم سألتني رغم جواز سفري الذي بيدها:    
“أنت مغربي؟”      
قلت: “ بالتاكيد.”
:تغيرت نبرة صوتها، وانفرج وجهها بدهشة دافئة وهي تقول:      
“وأنا أيضًا مغربية!”  
تجمد الزمن لحظة.   
قالت:
“أجدادي جاؤوا من المغرب، منذ عقود … أنا لا أعرف المغرب، لكني أحلم بزيارته يومًا، فقد حدثوني عنه كثيرًا، وجعلوني أحبه قبل أن أراه.”      
هدأت نفسي بكلامها، وقلت لها بعفوية:   
“أتمنى لك تحقيق هذا الحلم، وسأكون سعيدًا بمساعدتك إذا قررت المجيء.”   
ابتسمت، ثم قالت لي:      
“ حسنًا، سأحاول مساعدتك أنا أيضًا، حتى لا تُضطر للعودة إلى الأردن…”
طلبت مني الانتظار، ثم عادت بعد لحظات وطلبت أن أتبعها. سارت بي عبر ممر داخلي طويل،رغم أنه به عدة للوحات كبيرة كُتب عليها “ممنوع المرور من هذه الجهة”، لكنها لم تلتفت، فتبعتها، ووجدت نفسي في الجهة الأخرى من الحاجز!     
هناك كانت توجد غرفة تصوير أوتوماتيكية. دخلتها لأخذ صورة شخصية ألصقها على الوثيقة، ثم نعود لإتمام الإجراءات. ،وجدتني لم أكن أملك نقودا معدنية. بل لا أملك حتى عملة الشيكل الإسرائيلي،   ابتسمت لما اخبرتها وقالت: “تعال معي.”  
ذهبت بي إلى نقطة صرف العملات، حيث حولنا دولاراتي إلى شيكل، وعدنا إلى الآلة. أدخلنا القطعة النقدية، لكن الألة لم تعمل…  
أمسكت بجهاز اتصال لاسلكي وبدأت التواصل، وبعد دقائق جاء تقني وأصلح الآلة. التقطت الصور، وخرجت منها بـ 8 صور شخصية، لا زلت أحتفظ بها إلى حد الان. تم إلصاق إحداها على وثيقة جواز المرور، وعدنا إلى الجهة الأخرى من المركز الحدودي لإتمام الإجراءات.
في طابور طويل من المسافرين، كان عليّ أن أنتظر على الأقل ساعة أخرى. لكنها دخلت إلى مكتب من مكاتب التأشير، وخرجت بعد لحظات رفقة موظف رسمي، وتوجها بي إلى مكتب جانبي حيث تم التأشير على  وثيقة جواز المرور من دون جواز سفري … وهذا  فعلا ما كنت قد خططت له عندما رفضت الدخول عبر الطائرة من تل أبيب رغم سهولته نسبيا.
ودعتها وأنا لا أفهم إن كان ما جرى مجرد صدفة جميلة، أم موقفًا إنسانيًا خالصًا. لكنها غادرت بابتسامة.    
خرجت من الجانب الآخر من المركز الحدودي، وهو لا يزال تحت سيطرة سلطات الاحتلال، أبحث عن الدكتور حسين، وعن حقيبتي… بعد دقائق من القلق والبحث، رأيته هناك، واقفًا في ظل جدار، يرتجف من القلق.  
حين رآني، جاء مسرعًا. قال:
“أين كنت؟ لقد خشيت أن تكون قد أُعدت إلى الأردن أو… لا أعلم ماذا حدث!”     
فأخبرته بكل ما وقع…

بلطف القدر، وبقوة الصدفة، وبشيء من المغامرة، تجاوزت قطعة من النار…

يتبع (الجزء 5): من المعبر إلى رام الله… خطوات على الأرض المجروحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى