السفر بعيدا في الأرض والفكر
أن تسافر بعيداً على الأرض، هو أن تسافر بعيداً في الفكر.
كان اليوم الأخير من رحلة طويلة بين اليابان وكوريا، رحلتان في عالمين بعيدين، حضارتان عريقتان عرفتا كيف تجعل من الزمن صديقاً لا عدواً.
أن تسافر، يعني أن توجد في مكان آخر.
أن تخرج من الدائرة الضيقة للعادات، من تلك الإيقاعات اليومية التي تُقنعك بأن ما تراه هو كل ما يوجد.
يعني أن تدرك أن الحياة لا تُختزل في أفق واحد، ولا في طريقة واحدة للوجود.
عندما تسافر، تنقل جسدك إلى أماكن أخرى، لكنك في الحقيقة تنقل وعيك أيضاً.
تضع جانباً رتابة الأيام، وتتحرر من الأطر الذهنية التي شكّلتك منذ الطفولة.
تنظر إلى الإنسان والنبات والأشياء بنظرة جديدة، كأنك تراها لأول مرة
تكتشف أن آخرين، قبلك بزمن بعيد، عاشوا فوق هذه الأرض، وفكّروا وآمنوا وبنوا وأخطأوا وأحسنوا، مثلنا تماماً.
لقد صاغوا عالمهم وفق حاجاتهم، بحلم الإنسان نفسه وبضعفه ذاته.
السفر يعلّمك أن البقاء محصوراً في رقعة جغرافية ضيقة، بين أناس يشبهونك كثيراً، هو نوع من سوء الحظ.
لأن من يتشابهون أكثر مما ينبغي، يتوقفون عن النمو.
فأن تتعلم كيف تذهب بعيداً على هذه الأرض، هو أن تتعلم كيف تذهب بعيداً في فكرك.
أن تتقبل الحياة كما هي، في تعددها وتنوعها، دون خوف من المختلف، ودون حنين مفرط إلى المألوف.
فالرحيل هو طريق آخر للنضج: أن تترك شيئاً من نفسك في كل مكان، وأن تعود محمّلاً بشيء من كل مكان ما
بعد سنوات طويلة من العمل والانشغال والالتزامات، أعادتني هذه الرحلة إلى جوهر الحياة: أن أكون حاضراً، متأملاً، فضولياً، وحراً.