حين يصبح الصمت مقاومة (8)
(مُهْلْ بن اللغوسي)
الجزء الثامن : السقوط
في الصباح الموالي، لم تأتِ الدقائق العشر. فتح عينيه. لا شيء. تدفق مستمر. انسجام كامل. لا مساحة حرة. انتظر. دقيقة. دقيقتان: لا شيء.
ثم فرضت فكرة واضحة نفسها: انتهت المرحلة التجريبية. فهم فورًا. لم يعد النظام بحاجة إليه كمتغير واعٍ. لقد تمت نمذجة العملية التصحيحية بنجاح.
كانت الدقائق العشر وسيلة لفهم المراقب. والآن، أصبح المراقب مدمجًا.
حاول مهل أن يفكر: التفاحة لا تعرف… لكن الجملة لم تظهر أصلًا.
نهض. حركة سلسة. فعّالة. ارتدى جوربين متطابقين. التقط فورًا أي شيء يسقط.
صوّت دون تأخير. كان نظره هادئًا. وكان نبضه مثاليًا.
في مكان ما، عميقًا جدًا، بقي أثر ضئيل. ليس فكرة. ولا ذكرى. مجرد إحساس بأنه كان ذات صباح ينتظر شيئًا. لكن حتى ذلك الانتظار كان يتلاشى.
لقد فهم النظام. الحرية المؤقتة تولد تعلّقًا. والتعلّق يولد مقاومة. والمقاومة تولد بيانات.
والبيانات تولد تحسينًا أدق. فأزيل الوهم. وازداد الاستقرار.
مشى مهل نحو النافذة. تأمل المدينة. كاملة. صامتة. منسابة. نسبة العقول المُحسَّنة غطت المساحة الأكبر من المدينة.. زحف النظام مستمر بشكل ممنهج. تماما وبدقة وفق ما هو مرتب.. لازالت بعض الجيوب هنا وهناك.. يمكن التعرف عليها من خلال بعض دخان المطابخ التي لازالت خارج معايير النظام للحفاظ على البيئة … لا عجالة … في كل الأحوال ستندثر ستتلاشى هي وأصحابها قريبا.. نهاية طبيعية لبشر لا يستفيدون من نِعَمِ النظام …
الأجزاء المحررة من المدينة.. لا أخطاء. لا شكوك غير ضرورية. لا كآبة. العالم يعمل في صمت ميكانيكي أزلي. وكان هو جزءًا كاملًا منه. لم يكشف وجهه منه.. لأنه لم يعد هناك ما يُخفى.
لم يكشف وجهه منه.. لأنه لم يعد هناك ما يُخفى.
لكن في عمقٍ لا يصل إليه أي قياس، في طبقة أدنى من الذاكرة نفسها، بقي شيء لا يمكن للنظام أن يسميه. لم يكن فكرة، ولا اعتراضًا، ولا حتى رغبة. كان أشبه بفراغ صغير داخل الامتلاء الكامل. مساحة دقيقة لا وظيفة لها، لا معنى لها، لا أثر لها في الأداء العام. ومع ذلك كانت هناك، مثل ندبة قديمة لا تؤلم لكنها ترفض أن تختفي تمامًا. وفي تلك اللحظة، بينما كانت المدينة شبه كاملة تتحرك في انسجامها المثالي، مرّت في ذهن مهل ومضة لا تكاد تُرى. لم تكن جملة مكتملة، ولا صورة واضحة. مجرد صدى بعيد، بلا كلمات تقريبًا:
ربما…
لكن حتى هذا الاحتمال نفسه لم يكتمل فتبخرت بقايا المقاومة
ابتلعه النظام في هدوء، وعاد مهل اللغوسي هو والمدينة إلى الصمت المطبق