حين يصبح الصمت مقاومة -الجزء الثاني
(مُهْلْ بن اللغوسي)
الجزء الثاني: المبنى الزجاجي
كانت أول صورة واضحة صورة أبيه. رأى نفسه طفلًا، يده الصغيرة ممسكة بيد ذلك الرجل المتعب لكن الحازم، يدخلان معًا المبنى الهائل المصنوع بالكامل من الزجاج والضوء. رنّ الجرس فلم تُفتح أي أبواب. لم يظهر أي صوت بشري. فقط تعليمات ميكانيكية. أصوات بلا نبرة ترشدهما إلى الأزرار التي ينبغي لمسها، والممرات التي ينبغي سلوكها، وكيفية الجلوس، وكيفية الاستقامة — بل حتى كيفية التنفس. لم يكونا يمشيان حقًا. كانا ينزلقان. محمولين بحقول غير مرئية، مغناطيسية، كأنهما معلّقان بين الهواء والماء. لا جهد، لا تردد. الجسد لم يعد سوى شيء يُنقل إلى أن يصل إلى الشاشة!
شاشة عملاقة، منحنية، بوضوح يكاد يؤلم العين. لا وجه. لا روبوت. لا هيئة بشرية.
فقط شاشة آمرة صارمة. هي التي شرحت — بهدوء، بعقلانية — أن “مهل” سيخضع لتحوّل دماغي. لا بشريحة. لا بحقنة. لا بشيء مرئي. مجرد قوة. بلا اسم. بلا أصل محدد بوضوح. مزيج من اهتزازات وحقول كهرو-مغناطيسية، ستبدأ شيئًا فشيئًا في السيطرة على دماغه ليتطابق مع النموذج المثالي للإنسان الحديث النافع والمنتفع. هكذا يقولون!
وكان “مهل” يتذكر أيضًا فرحته في ذلك اليوم.
كان قد رأى زملاءه يتغيرون. تختفي أخطاء الإملاء. تصبح الحسابات حدسية. تتسلسل الاستدلالات دون جهد. ذاكرة كاملة، موسوعية. ذكاء بلا إرهاق. وإحساس بالتفوق بالتحكم بالسعادة
أما هو… آنذاك فكان في آخر لائحة الفصل، بل والمدرسة. دائمًا متأخرًا في التنقيط. دائمًا مخطئًا في الأجوبة. دائمًا مُصحَّحًا.
كان يبكي كثيرًا عند عودته إلى البيت. لا غيرة — بل إنهاك. إنهاك دماغ بشري أمام أدمغة مُعزَّزة بالذكاء الأعظم
لقد قاوم أبويه طويلًا. كانا يرفضان هذا التحول الرقمي… لكنهما استسلما. لا عن اقتناع، بل عن حب. لم يكون قادرين على الحكم على فلذة كبدهما بالبقاء متخلفًا عن العصر.
كانوا يقولون إن المكسب يفوق الخسارة. دماغ مرتاح غير مضغوط، تشخيص استباقي للأمراض… وقاية من الانحراف …
الاسبوع القادم: الجزء الثالث: التفاحة