فلسطين ( الجزء 3): بين الحواجز والوجوه المتشابكة
خلال ساعات الانتظار الطويلة في النقطة الحدودية، وبين نظراتي التي كانت تتنقل بين الأماكن والساعات والوجوه، أثار انتباهي مشهد بسيط في ظاهره، عميق في دلالته: علاقات طبيعية جدًّا بين السائقين الأردنيين أو الفلسطينيين، وبين الجنود والموظفين الإسرائيليين في مكاتب المعبر. كانوا يتبادلون التحايا، يبتسمون، يتبادلون بعض العبارات العادية وبعض الفكاهة… كأنهم جيران قدامى، أو زملاء اعتادوا على اللقاء اليومي.
أثار في نفسي هذا المشهد تساؤلاً مؤلمًا: هل أصبح الاحتلال أمرًا اعتياديًا مع التكرار؟ هل يمكن للتطبيع السلوكي أن يخترق حتى أشد الناس رفضًا؟
لكنني سرعان ما فهمت أن هؤلاء السائقين يمرون عبر المعبر مرات عديدة في اليوم، وأنهم معروفون لدى سلطات الاحتلال، بل لم يُسمح لهم أصلًا بمزاولة هذه المهمة إلا بعد تدقيق أمني شديد يضمن أنهم لا يُشكلون “خطرًا”.
بعد ما يناهز ساعة من الانتظار، سُمِح لنا أخيرًا بالتحرك. كنا داخل سيارة صغيرة مخصصة لما يُسمى بنظام “VIP”، وتوجهنا نحو حاجز نقطة المراقبة. كانت هناك إجراءات تمحيص دقيق للجوازات ووثائق المرور. حاولت خلال ذلك الوقت أن أختلس بعض الصور بهاتفي المحمول، ومن زوايا مخفية عن أنظار الحراس حتى لا ألفت انتباههم. حتى صورة للافتة “جسر الملك الحسين” التقطتها على عجل، كأنني أسرق لحظة من التاريخ لأحتفظ بها في ذاكرة إلكترونية.
بعد تجاوز الحاجز، بدأت أُمعن النظر في الأرض… كنت أود أن أتذكر كل شبر، كل سنتيمتر، كل شق في التراب، كأنني أريد أن أنقشها في داخلي.
الأرض قاحلة في مواضع، صخرية في أخرى، لكن شيئًا فيها كان حيًّا… شيئًا يشبه الألم.
بعد عشرات الكلومترات من الفراغ وصلنا إلى مفترق طرق ظهرت فيه اللوحات الإرشادية بثلاث لغات: العبرية في الأعلى، والعربية ثم الإنجليزية أسفلها، لم يكن ترتيبها عشوائيًا. كانت مرآة لمن يملك السلطة، ومن يتحدث باسم الطريق. سلكنا طريقًا جبليًا بمنعرجات حتى بلغنا نقطة تفتيش ثالثة: هي محطة المراقبة الإسرائيلية للمرور من الأراضي الي تديرها إسرائيل وتفصل بين الأردن والضفة الغربية. نوع من الحدود مع الأجزاء التي تديرها السلطة الفلسطينية. من هنا يبدأ الدخول الرسمي للضفة الغربية او على الأصح الولوج إلى الطريق الوحيد المغلق الذي يجب سلوكه ويحظر مغادرته إلى حين الوصول إلى “أريحا” أول مدينة فلسطينية …
نزلنا من السيارة، كان المكان يعج بالمسافرين المتجهين نحو مناطق السلطة الفلسطينية، فبدأت أولى فصول المغامرة الحقيقية.
كان علي أن أفترق عن مرافقي الدكتور حسين. فكل نوع من المسافرين له ممر خاص به:
• أنا، بصفتي حاملاً للجنسية المغربية يتوجب علي المرور مع فلسطينيو الشتات الذين هم بالنسبة لسلطة الاحتلال “أجانب” رغم أصولهم الفلسطينية.
• الدكتور حسين، بصفته فلسطينيًا من الضفة الغربية، سلك ممرًا مختلفًا.
• أما الأجانب غير العرب، فكان لهم ممرهم أيضًا، وقد رأيت لاحقًا مجموعة من الأسيويين في زيارة استطلاعية على ما يبدو.
انتظرت دوري، ثم اقتربت من شباك صغير خلفه موظفة إسرائيلية. أعطيتها جواز سفري وجواز مرور السلطة الفلسطينية المؤشر عليه من سلطة الاحتلال. بدأت تراجعهما بهدوء. كنت أنظر إلى حركاتها وتعابير وجهها بتركيز شديد علّي أستبق ما قد تقرره. فجأة سأخرج من شرودي: انطلقت صفارات الإنذار مدوية ثم بدأت مكبرات الصوت باستعجال جميع المسافرين للخروج والعودة إلى الباحة العارية التي أتينا منها.
رجع الجميع على الفور. كنت مذهولًا… لكن المذهل أكثر كان منظر الحراس الذين ظهروا فجأة: أجساد ضخام، ملابس مدنية، نظارات سوداء، يحملون أسلحة رشاشة تنعكس عليها أشعة الشمس، كانوا يصرخون بأوامر حادة…
لم أصدق عيني. كأنهم خارجون للتو أفلام هوليوود وليسوا جنودًا.
…تجمّعنا تحت شمس حارقة. لمدة بدت بلا نهاية، الجميع يتساءل من دون جواب،
بعد طول انتظار بدأت أصوات فلسطينيو الشتات ترتفع بالاحتجاج في خليط من اللغات العربية والإنجليزية والعبرية…، لم أفهم كيف يجرؤون على رفع أصواتهم أمام أولئك المسلحين. أنا كنت خائفًا فقط من مجرد النظر مطولًا إلى أحدهم.
بعد مرور وقت طويل تحت الشمس الحارقة واحتراق الأعصاب وألم الجسد بسبب يوم لا ينتهي، عاد الهدوء. نودي علينا للعودة إلى الشبابيك.
فيما بعد، سيشرح لي الدكتور حسين سبب هذا التوقّف: أحد العابرين الفلسطينيين كان يحمل محركًا ميكانيكيًا صغيرًا في حقيبته، تم كشفه خلال التفتيش. ضن أنه قد يكون عبوة أو قنبلة فتم إغلاق المعبر احتياطيًا، وإفراغه تماما من الناس.
كانت تلك اللحظات أول احتكاك مباشر مع الصراع، ليس من حيث الخطر المسلح فقط، بل من حيث هشاشة الكرامة الإنسانية حين توضع تحت المجهر الأمني
تتمة:https://cahiersdeparcours.com/فلسطين-الجزء-4-صافرات-الإنذار-من-المغرب/