فلسطين (5): من المعبر إلى رام الله… خطوات على الأرض المجروحة

      طمأنت مرافقي لدكتور حسين بابتسامة خفيفة، وبدأت أسرد عليه، وسط طريق إسمنتي هادئ، كل ما جرى معي منذ اللحظة التي افترقنا فيها. كان ينصت باستغراب، ولم يخفِ اندهاشه بلطف الموظفة ذات الأصول المغربية التي أنقذت الموقف.      

“لولاها، لكنت في طريق العودة إلى عمان الآن…” قلتها وأنا أستعيد تفاصيل اللحظة بكل توترها، وبكل تلك المشاعر المتشابكة بين الغضب والامتنان والريبة.  

ركبنا حافلة كبيرة لنقل الركاب من جديد، مر علينا الجابي فأدينا ثمن الرحلة بالشيكل الإسرائيلي مقابل وصولات صغير – ذكرني بحافلات “كراج بن جدية” بالدار البيضاء حين كنت يومها طالبا.  انطلقنا في طريق طويل نحو “أريحا”. كان الطقس جافًا، لكنه ليس حارًا كما توقعت. كل ما حولي كان غريبًا ومألوفًا في آن. الجبال تتراءى من بعيد، وعلامات الإرشاد الطرقي تعلن عن أماكن بلغة لم أعتدها، تُرافقها الترجمة إلى الإنجليزية والعربية.   
الدكتور حسين كان يتحدث، يُريني الأماكن، ويشرح الفوارق بين المنطقة “أ” و”ب” و”ج”، بين ما تديره السلطة الفلسطينية وما تسيطر عليه إسرائيل، بين ما يُسمح للفلسطينيين بلمسه، وما لا يُسمح حتى بتصويره.     
كان صوته هادئًا، لكن فيه شيء من التعب. ليس التعب الجسدي، بل التعب المتراكم لمن يعيش كل يوم تحت نفس الظل.    
وصلنا إلى أريحا بعد نحو مدة زمنية لا أتذكرها. وصلنا إلى مركز مراقبة الحدود الفلسطيني. بدأت لأول مرة أشعر أنني في منطقة تشرف عليها السلطة الفلسطينية. غير أن الانطباع الأولي لم يكن مريحًا: دخلت بنا الحافلة مجمعًا أشبه بثكنة، أصوات الأبواب المعدنية، والأسلاك الشائكة في كل اتجاه. كان المشهد أقرب إلى سجن في الهواء الطلق منه إلى معبر مدني. لا الطير يستطيع أن يعبر، ولا القطة تستطيع أن تتسلل دون أن تُكتشف.

كنت منهكًا، جسدًا وروحًا. قدّمت جواز سفري، وطرحت عليّ بعض الأسئلة الشكلية، ثم دفعنا رسومًا بسيطة — بالعملة الإسرائيلية طبعًا، لأنه لا عملة فلسطينية خاصة. طلبت من الدكتور حسين أن يلتقط لي صورة امام الشباك وفي أعلى الحائط صورتي عرفات وأبو مازن … على الأقل لرمزية سيادة افتراضية 
ركبنا سيارة الدكتور حسين التي كان قد ركنها هناك منذ الصباح وتوجهنا إلى مدينة رام الله المشهد الطبيعي ظلّ على حاله: نفس الهضاب، نفس الأرض، نفس العتمة، لكن هذه المرة، كنت أعلم يقينًا أنني داخل ما يُسمى بـ “مناطق السلطة الفلسطينية”، أو بالأحرى ما تُرك للفلسطينيين أن يُدبّروا فيه شؤونهم اليومية تحت سقف منخفض من السيادة.

 وصلنا بعد المرور من عدة مدن وقرى صغيرة تفصل بينها طرقات كلها تحت مراقبة الجيش الإسرائيلي. كلها توجد في أراضي منخفضة بينما في كل الهضاب والمرتفعات توجد المستوطنات التي تتميز كلها بحداثة البناء.

كانت الحياة نابضة بشكل لم أكن أتصوره في التجمعات السكنية الفلسطينية التي مررنا منها. الحركة فيها ديناميكية، الناس يبدون منشغلين، الساحات والأسواق مزدحمة، وحركة السيارات تعرف نفس فوضى المدن العربية. لكنها تبدو وكأنها تعاند الاحتلال بنبضها، وكأنها تُصر على الحياة، رغم كل شيء.     

وصلنا أخيرا إلى حيث سأقيم في فندق صغير لكنه أنيق. تسلمت مفتاح الغرفة، وأوصاني مرافقي بالراحة قبل أن يغادر إلى بيته، فقد كانت مهمة التدريب ستبدأ في اليوم الموالي. وقبل أن يغادر، قال لي بابتسامة دافئة: 
“أهلاً بك في فلسطين، أخيرًا ارتح قليلا لأننا سنلتقي صباح الغد لبدء التدريب”   
دخلت غرفتي في الطابق الرابع، وضعت حقيبتي جانبًا، وجلست أمام النافذة. كانت الشمس تميل نحو الغروب، وكنت أنا أميل نحو تأملٍ عميق.
ها أنا هنا… في أرضٍ حلمت بها طفلًا، وردّدت اسمها شابًا، وحملت وجعها رجلاً.
لم تكن الرحلة سهلة، ولم يكن العبور بسيطًا، لكن شيئًا بداخلي قال لي:
“لقد بدأت المغامرة الحقيقية الآن.”

تتمة :فلسطين (6): رام الله… تحت أضواء المستوطنات وظل الجدار – دفاتر مسار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى