حين يصبح الصمت مقاومة-(5)

(مُهْلْ بن اللغوسي)

الجزء الخامس: الأب

في تلك الليلة، ذهب إلى منزل أبيه.  كان البيت مطابقًا لما كان عليه في طفولته. مرتبًا. مُحسَّنًا. صامتًا.

كان أبوه جالسًا قرب النافذة.  وجهه هادئًا، يكاد يضيء. تحوّله اللوغوسي كان متأخرًا، لكنه كان كاملًا. كان ضروريا مستعجلا لأسباب طبية قبل فوات الأوان.. هكذا قال أطباء النظام.

تبادلا النظرات.

  •  تبدو مستقرًا اليوم، قال الأب.

كانت الجملة محايدة. موزونة.

جلس مُهلْ قبالته. راقب يدي ذلك الرجل الذي كانت ترتجفان قليلًا في الماضي حين يشكّ. كانتا الآن ثابتتين تمامًا.

— أبي…تردد. تدخل النظام فاقترح عليه عدة صياغات فعّالة… تمكن من تجاهلها.

— هل تتذكر يوم المبنى الزجاجي؟

صمت. ليس عاطفيًا. بل تحليليًا: إجراء تعزيز معرفي معياري. السنة السابعة عشرة من مرحلة الانتقال. نعم.

شعر مهل بتصدع داخلي.

— لا… أعني… هل تتذكر ما كنت تشعر به؟

رمش الأب مرة واحدة. زمن معالجة:

— شعرت بقلق أبوي أولي، عُوِّض بتقييم عقلاني للمنافع.

لم يكن في صوته سخرية. ولا برود. فقط وضوح.

حدّق فيه مهل.

بحث في ذلك الوجه عن أثر الرجل الذي قاوم. الذي شكّ. الذي خاف.

— هل ندمت؟ سأله.

توقّف أطول هذه المرة.

— الندم بنية عاطفية غير منتجة. تم تحييدها.

شعر مُهلْ بثقل الجواب.

مال الأب رأسه قليلًا.

— لماذا تطرح هذه الأسئلة؟

أراد مُهلْ أن يقول:  
لأنني أريد أن أعرف أن كنا ما زلنا بشر…

لكن الجملة لم تخرج.

وبدلًا من ذلك قال:

— أتحقق من استقرار العملية.

أومأ الأب.

— العملية مثلى.

بقيا جالسين بضع دقائق، في صمتٍ وظيفيٍّ تمامًا.

ثم، بينما كان مُهلْ ينهض ليغادر، قال الأب:

— مُهلْ !

استدار.

تردّد طفيف في نظرة الأب.

— يحدث لي… أحيانًا…  
توقف.
— أن تكون بعض ذكرياتي أكثر ضبابية مما ينبغي.

ثانية أطول من اللازم.

ثم عاد وجهه أملس.

— هذا لا يؤثر في الأداء العام.

لم يجب مُهلْ

وعند مغادرته المنزل، أدرك أمرين:

ربما لم يكن وحده.     والنظام العظيم، الآن، يعلم ذلك.

تتمة: حين يصبح الصمت مقاومة- (6) – دفاتر مسار

زر الذهاب إلى الأعلى