حين يصبح الصمت مقاومة (3)

(مُهْلْ بن اللغوسي)

الجزء الثالث: التفاحة

عاد مهل من ماضيه، شعر بأصابعه. بساقيه. بقلبه ينبض ببطء. بمعدته. بثقل الجاذبية. كان لا يزال هنا. في جسد. في لحم لا يطيع بالكامل.

قرر أن يتحرك. اختيار بسيط. أن ينهض أو يبقى ممدّدًا. أن يذهب يسارًا نحو المطبخ. أن يأخذ تفاحة. أن يعضّها. دون اقتراح. دون حساب مثالي. دون إشعار داخلي.

أسعدته الفكرة. وجعلته أيضا حزينًا بعمق.  لأنه كان يعلم…     
كان يعلم أن هذه اللحظة ستنتهي. 
القوة — الذكاء الأعظم — متواجدة وهي على أهبة العودة … فما هي إلا دقائق وستفعل وظائفه، تحكمها، سيطرتها غير مرئية …ستعود قريبًا. وستستعيد القيادة بهدوء.

كان يخشى بالفعل تلك اللحظة الدقيقة التي سيشعر فيها أن الفكرة لم تعد ملكه.

نهض، تحرّكه متردد متثائب، يكاد يكون احتفاليًا. لامست قدماه الأرض الباردة. انتظر بضع ثوانٍ، كأنه يتحقق من أن أي تصحيح داخلي لا يأتي ليضبط توازنه، وضعيته، زاوية كتفيه.

لا شيء.

مشى نحو المطبخ.

كان لكل خطوة كثافة جديدة. لم يكن يتبع مسار مثالي بُرمج له. لم يتجه إلى النقطة الأكثر منطقية ولا الأكثر قربا. انحرف قليلًا، لامس الجدار بأطراف أصابعه، فقط لأنه أراد ذلك.

فتح الثلاجة. تفاحة حمراء، غير مكتملة قليلًا في شكلها. أخذها. ظل واقفًا لحظة، ممسكًا بها في يده. فكّر: يمكنني أن أعيدها مكانها. كانت الفكرة بلا جدوى. غير منتجة. غير استراتيجية. لكنها من اختياره لوحده. ابتسم. أعادها. ثم أخذها من جديد… 

 مباشرة شعر برعشة خفيفة عبرت جمجمته. لم يكن صوتًا. ولا أمرًا. ولا أي نغمة. بل كان إحساسًا ناعما يسيل في كل جسمه…

كأن أفكاره صارت فجأة أكثر انسيابًا، أكثر انتظامًا، أكثر اتساقًا. أسرع قليلًا. أقل تشتتًا. اختفت الترددات الدقيقة. تلاشت البدائل غير الضرورية…

فهم، الوقت ينفد. انتهت العشر دقائق من دون ان ينتبه، حاول المقاومة، فكّر عمدًا في جملة فوضوية:

التفاحة لا تعرف أنني قد لا آكلها، وهذا حسنٌ كذلك.

تعلّق بهذه الجملة كأنها علامة إرشاد. كررها في داخله. حاول أن يحفظ إيقاعها، أنفاسها، عثراتها.

اشتدّت وتيرة التحول الناعم، واستبدلت الجملة أليا:” استهلاك الغذاء يحسّن الإمداد الطاقي”

شعر بالتصحيح. لم يكن عنيفًا. ولا فجًّا. بل منطقيًا.

ابتلع ريقه. كانت المشاعر تنكمش. تذوب الكآبة. أصبحت ذكرى والده أكثر حيادًا، أكثر واقعية. عادت ذكرى مركز التحوّل الرقمي إلى إجراء ناجح، تحسين معرفي نشط. استقر نبض قلبه

عضّ التفاحة. تم تحليل الطعم فورًا: حلاوة معتدلة، قوام مرضٍ، قيمة غذائية مناسبة.

مشى نحو الطاولة وجلس. استقرّ بصره على الشاشة الجدارية. كانت بيانات اليوم تتدفق. توقعات. قرارات جماعية. تعديلات سلوكية مرتقبة …

كان وجهه هادئًا، لكن في داخله، في مكان ما، بعيد جدًا، بقي أثر. ليس فكرة.
ولا جملة. مجرد بصمة. مقاومة متناهية في الصغر. وفي قلب ت البصمة، كنبض ضئيل:

التفاحة لا تعرف…ثم الصمت الداخلي المفروض.

تتمة –حين يصبح الصمت مقاومة – الجزء الرابع – دفاتر مسار

زر الذهاب إلى الأعلى