حين يصبح الصمت مقاومة -الجزء الأول

(مُهْلْ بن اللغوسي)

الجزء الأول: الدقائق العشر

كان هناك، ممدّدًا. عيناه مفتوحتين منذ برهة، لكن ذلك لم يكن الاستيقاظ حقًا.
فالاستيقاظ ليس في حركة جفون، بل في تلك اللحظة الدقيقة التي يستطيع دماغه أن تنبثق فيه فكرة دون إذن، دون توجيه، دون مسار مفروض…

كان “مُهَل اللغوسي” يصبح واعيًا فقط في الدقائق العشر الأول … ليس بالعالم، بل بنفسه. بقدرته على التفكير دون مساعدة، دون تصحيح، دون تأطير. إحساس كأنه عضلة تُركت طويلًا بلا حركة ثم عادت فاهتزّت بالحياة.

لم يكن اسم مُهَل ابن اللُّوغوسي اسماً اختاره لنفسه.

كان اسماً مُسجَّلاً في خوادم «نظام الذكاء الأعظم”. الاسم يظهر في كل تعامل رسمي. في بطاقة التعريف البيولوجية، في سجل النشاط العصبي. في سجل “مستوى الامتثال”. اسمٌ احتفظ له ببنية بشرية مقصودة. يحمل نسباً، يوحي بسلالة. يمنح شعوراً بالاستمرارية الإنسانية. لكن ذلك كان جزءاً من تصميم النظام لا غير…

أما البنية العليا للنظام، فلا تُستخدم الأسماء، بل المُعرفات، وهو أيضا رمز خوارزمي. هوية قابل للمعالجة.        قابل للتحديث قابل للاستبدال.

خلال الدقائق العشر فقط…يسقط الشطر الرقمي. ويبقى مُهَل.

يعلم أن أمامه عشر دقائق… عشر دقائق يمنحها إياه نظام الذكاء الأعظم. عشر دقائق يومية، منظَّمة، مُقنَّنة — بقايا أثر قديم، كما كانوا يقولون، للحفاظ على وهم حرية الإنسان. خلال هذه الدقائق، لم تكن أفكاره ترصد ولا يُعاد توجيهها. كان بإمكانها أن تتيه. أن تخطئ. أن تتذكر …

حاول فورًا أن يفهم.  كيف وصل إلى هنا؟
كيف وصلوا إلى هنا — هو، الآخرون والعالم… هذه الحياة الاصطناعية التي أصبحت بديهية؟

كانت أولى أفكاره أثناء الفسحة المؤقتة هذا الصباح عن عائلته. ومعها عادت المشاعر خامة. غير منضبطة ولا مقننة ولا متحكم فيها.  شعر بحرارة في صدره، بضغط في حلقه. اندفعت الصور حادة أكثر مما ينبغي.

وكان يعلم أيضًا أن هذه الأفكار ستكون أول ما يتلاشى حين تعاد السيطرة الرقمية عليه…

-الجزء الثاني – المبنى الزجاجي

زر الذهاب إلى الأعلى